#حياة_العلم_مذاكرته
سؤال:
قال الله تعالى في شأن خمر الآخرة: {لا يصدعون عنها}
ما الحكمة من تعدية الفعل بحرف "عن" ولم يقل "بها" ولا "منها" ؟
#السبيل_إلى_فهم_القرآن | #مسائل_التفسير
مفتاح الجواب:
النظر في القراءات الواردة في الآية، ثمّ معاني المفردات على كلّ قراءة، ثم توسّط الحرف بين فعلين لهما تعلّق به، ثم أسباب الصداع على أحد المعاني.
فمن نظر في ذلك كلّه وجد أنه لا يقوم مقام "عن" حرف آخر من الحروف يؤدي جميع هذه المعاني كما يؤديها.
أشكر جميع المشاركين في الجواب على هذه المسألة، وقد أتت إجابات أكثرهم على جوانب مهمة من الجواب.
وهذه المسألة بديعة عجيبة، وهي من دلائل إحكام القرآن، وحسن بيانه، وبركة ألفاظه ومعانيه.
وجوابها يتعلق بأنواع من علوم القرآن، ولذلك سألخص الجواب في نقاط، وأسأل الله التوفيق للصواب.
{لا يصدعون} قُرئت على أحرف تحتمل معاني متعددة، ولذلك اختلف المفسرون فيها على أقوال:
1: لا يُصَدَّعون:أي لا يصيبهم الصداع بسببها،والصداع من الخمر يأتي بسبب شربها، وبسبب انقطاعها،وقد نُفي عنهم الأمران،وعن هنا تفيد السببية كما في قول الله:{وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة}
2: لا يُصَدَّعون، من التصديع، وهو التفريق، أي لا يُفرّقون عنها كما يُفرَّق أهل الخمر في الدنيا.
وعن هنا تفيد المجاوزة.
والقول الأول والثاني تحتملهما القراءة المشهورة {لا يُصَدَّعون عنها} وهي قراءة الجمهور.
3: لا يتفرّقون، وهذا القول موافق لقراءة مروية عن مجاهد: [ لا يَصَّدعون] بفتح الياء، وأصلها يتصدّعون أي يتفرقون.
فلا يتفرقون عنها من شدة لذتها ومن تآلفهم عليها، ووفرتها،
فهي ليست كخمر الدنيا التي يحصل التفرّق عنها بفنائها وبآفاتها وباختصام شاربيها وتنازعهم.
4: لا يُفرِّقون غيرَهم عنها، وهو معنى موافق لقراءة من قرأ [ لا يُصَدّعون عنها ] بضم الياء وكسر الدال مشددة.
فهم من كرمهم ووفرتها لا يُفرّقون غيرهم عنها، ولا يشحون بها كما يشح أهل الخمر في الدنيا بخمورهم.
و"عن" في هذا القول والذي قبله للمجاوزة أيضاً.
وقوله تعالى: {ولا يُنزفون} قرئ بفتح الزاي وكسرها، ولذلك اختلف المفسرون فيها على قولين:
1: لا يُنزَفون، أي لا تذهب عقولهم وتُنزف من الخمر فيسكرون كما يسكر أهل الدنيا بخمرهم، وهو قول الجمهور.
قال أبو إسحاق الزجاج: (والنزيف السكران، وإنما قيل له نزيف ومنزوف لأنه نزف عقله).
2: لا يُنزِِفون، أي لا ينفد شرابهم ولا يفنى عن كثرة الشرب
فهم في أمان من سكرها وفنائها كما قال الله تعالى: {لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون}.
وقد قرئ بالقراءتين في هذا الموضع أيضاً، وفيهما المعنيان المذكوران.
فمن نظر في هذه المعاني وتنوعها واتّساقها علم أنه لا يقوم مقام حرف "عن" حرف آخر من الحروف تتّسع دلالتها لهذه المعاني كلها.
وتبيّن تصديق القرآن بعضه لبعض، وتوافق القراءات، وتنوّع معاني الحروف بتعدّد ما تحتمله المفردات من المعاني.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد
ومن شواهد إطلاق لفظ التصدع على معنى التفرق في لغة العرب
قول عبدة بن الطبيب:
إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا
أمثال زيد حين أفسد رهطه ... حتى تشتت أمرهم فتصدعوا
تصدَّعوا: أي تفرّقوا
وقال متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكاً:
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فإن تكن الأيام فرقن بيننا ... فقد بان محمودا أخي حين ودعا
فمن شدّة ائتلافهما شبه نفسه وأخاه بالشيئين المتماسكين الذين لا يتفرقان إلا بالتصدع.
وهذا فيه لطيف أخرى تدل على اختيار لفظ {يصدعون} في الآية على [يُفرَّقون] فهي تدل على الائتلاف الغامر بينهم حتى كأنهم من شدة ائتلافهم وحبورهم ببعض سمي التفرق المنفي تصدعاً.
والله تعالى أعلم.
*لطيفة
Share this Scrolly Tale with your friends.
A Scrolly Tale is a new way to read Twitter threads with a more visually immersive experience.
Discover more beautiful Scrolly Tales like this.
