ابتهاج محمد - أول أمريكية ترتدي الحجاب في الألعاب الأولمبية - تروي قصتها في كتابها الجديد " فخورة ". من عائلة فقيرة من نيوجرسي أبواها تحولا الى الاسلام في سن العشرين في منطقة موبوئة بالجريمة و المخدرات .بدأت بارتداء الحجاب قبل سن البلوغ و الان نموذج للتعددية الأميركية تلقب Ibti .
ابتهاج تقول ان أبواها تحولا الى الاسلام بعد مشاهدة اثار الجريمة و المخدرات في مجتمعهما . رغم إنهما انضما الى منظمة "أمة الاسلام" في البداية الى إنهما تحولا عنها بسبب بعض التوجهات العنصرية التي تتبناها هذه المنظمة و آثرا ممارسة الدين الاسلامي بشكل متناسق مع "روح القرآن" .
تقول ابتهاج في البداية قبل سن البلوغ كانت أمي تلبسني الحجاب مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع و في الأيام التي لا توجد بها حصة رياضية و لكي يتعود الجميع في المدرسة على رؤيتي فيه و لكن بعد سن البلوغ أصبحت البسه بشكل كامل و هذا كان شيئا غير مألوفا في مدينتي .
ابتهاج تقول هي و اخوتها الأربعة ولدوا و نشأوا مسلمين و هي تفتخر ان اول مشاركة لها في لعبة المبارزة كانت في باريس بفرنسا و السبب هى موقف فرنسا "العلماني المتشدد" المتحامل بشكل عام ضد الحجاب .
اما سبب تلقيبها ibti هو انه مدرستها في المدرسة وجدت صعوبة بالغة في نطق اسمها "ابتهاج" و ذلك عند تسجيل كشف الحضور و الغياب و لذلك قررت ان تسميها "إبتي" اختصارا و لسهولة النطق .
تقول ابتهاج ان امها تحولت الى الاسلام تأثرا بصديق زوجتها (شارون) المسلم (كريم) الذي كان نوعا ما زوجا مثاليا لا يتاخر عن المنزل و لا يشرب الخمر و لا يدخن و ليس له أصدقاء سيئين . شارون أخبرت ام ابتهاج ان عليها البحث عن رجل مسلم مثله ! 😄
اما أب ابتهاج اسلم بعد ان تأثر بعدد من أفراد عائلته و أسس مسجدا في منطقة "ايست أورانج" و هناك التقى بأم ابتهاج حيث كانت حضرت لكي تدلي بالشهادة و تتعلم القران و كان كثيرا ما يتنصت عليها و هي تدرس في المسجد و ادرك ان امرأة جميلة و بهذا الحب لمعنقدها الجديد "لن نظل في السوق طويلا"😄
تم الزواج لاحقا بعد مقابلات و اختارت أمها اسم "عناية" و أباها اسم "شمس الدين" و أجري عقد الزواج (النكاح) حسب المراسيم الاسلامية المتبعة . العائلة اشترت منزلا في منطقة (مابلوود) في التسعينات ، الهادئة لاحقا بعيدا عن نيوارك المزدحمة و المليئة بالجريمة وقتها .
في الفصل الاول تسرد ابتهاج قصتها عندما كانت طفلة دعتها احد صديقاتها (أيمي) الى حفلة عيد ميلاد و sleep over (قضاء الليلة في بيتها) و لكن أباها رفض بسبب القوانين التي تتبع في المنزل و تمنعها من قضاء الليلة خارج المنزل لأي سبب كان حتى عند صديقتها 🙂
و كذلك المرة الاولى التي أتت الى منزلها (ايمي) و سألتها لماذا تضع والدتها "منديلا على رأسها" ؟ تفكر ابتهاج قليلا ثم تقول "لأننا مسلمون و هذا ديننا" فتقول أيمي "و عندما تكبرين ستضعين أيضا هذا المنديل على رأسك"؟ ، تطرق ابتهاج قليلا ثم تقول "نعم اظن ذلك" ، تجيب إيمي that’s so cool !
و كيف عرفت انها تملك موهبة رياضية حيث كانت تسابق أخاها الكبير (قريب) في حوض السباحة المنزلي و تهزمه كل مرة . تقول ابتهاج "كنت لا انظر الى الخلف و أحرك رجلي كالماكينة و انزل رأسي في الماء لكي أسبح بسرعة اكبر" و كان أباها يراقبها عن كثب و يضحك في كل مرة يقول فعلتي ما كنت أقوله لك.
"لقد أنزلتي رأسك في الماء و استخدمتي رجلاك الطويلتان" و كنت انظر الى اخي "قريب" غاضبا محبطا في كل مرة كنت أهزمه فيها و أبي يقول له "عليك ان تبذل جهدا أكبر بكثير لكي تهزم ابتهاج يا قريب " !
أبواي كانوا يشجعونني و أخوتي على ممارسة الرياضة لانها رأوْا فيها طريقة تنمي فينا روح المنافسة و التحدي في الحياة و كذلك طريقة "حلال" لشغلنا عن أصدقاء الحي السيئين و طريقة لشغل وقتنا بعد المدرسة و الابتعاد عن المشاكل . هي طريقة جيدة لجعلنا منضبطين في حياتنا بشكل عام .
في البداية في الصيف شجعتني أمي على "الركض" و رياضة العدو و "لكني كنت متوجسة حيث درجة الحرارة كانت مرتفعة في الصيف و ستكون أعلى مع ارتداء الحجاب و الطماق الرياضي الطويل" و "لم أكن اعلم حقيقة انني سأحب رياضة العدو و كنت سأحس بالأحراج اذا سألني احد لماذا أغطي رجلي في السباق" !
في يوم أبي قال لي "ابتهاج .. تعلمين انه غدا الطقس سيكون حارا جدا و قد يكون هذا خطرا ! اذا أحسستي بالإغماء او صعوبة بالتنفس أثناء السباق ، لا بأس أن تتوقفي . الشمس قد تكون شديدة جدا " ! "أومأت برأسي ثم احتضتنته و شممت رائحة زيت المسك الذي يضعه في لحيته و ثيابه عندما يغسلها " .
كانت أمي تقود السيارة نستمع الى موسيقى الجاز و أغنية لانيتا بيكر و نحن نعيد الكلمات أنا و أمي . بعد انتهاء الاغنية قلت لأمي "أنا احب هذه الاغنية" ، أجابت "أنا أحب اأي شيء لانيتا بيكر" . فسألتهت " أمي لماذا نستمع الى موسيقى الجاز الناعمة في السيارة و ليس سائر انواع الموسيقى؟"
هل موسيقى الجاز الناعمة حلال ؟! أغلقت أمي الراديو و بعدها ادخلت شريط يحتوي على تلاوة للقرآن و لم تجب سؤالي محدقة النظر على الطريق أمامها فقط . نظرت الى اخي ثم استقريت في مقعدي و نظرت الى خارج النافذة بقية الوقت الى ان وصلنا .
في هذا اليوم دخلت السباق و كانت الحرارة شديدة ، بعد مضي ٤٠٠ ياردة أحسست بالتعب الشديد و الإغماء فتذكرت كلام أبي و توقفت و خرجت عن مسار السباق . وجدت أمي و أخي و قالت لي أمي "ابتهاج لم توقفتي؟!" فذكرت لها كلام أبي ، فقالت "لا يمكنك فعل ذلك . لا أتوقع منك الفوز دائما و لكن أتوقع
منك بذل الجهد ١٠٠٪ في كل مرة" .. و أنبني أخي قال لي "ابتهاج لم توقفتي لقد كنت الأولى في السباق . كنت تفوزين !" أدرت ظهري لأخي و قلت له انا آسفة . رأيت خيبة الأمل على وجه أمي و عاهدت نفسي أن أبذل قصارى جهدي في المرة القادمة و أصبح هذا شعاري كرياضية لاحقا .
تعرضت الى الكثير من المضايقات و التحرشات خاصة في الصف المتوسط للبسي الحجاب . جاك براون كان يقول لي "لماذا ترتدين غطاء الطاولة هذا على رأسك ؟!" كنت اعتبر حجابي علامة لنضجي و اخلاصي لله و لكني عانيت كثيراً في هذه المرحلة !في أحد مرات بينما كنت ارسم احسست بالم شديدا في ذراعي فجأة !
التفتت و كان جيريمي براون قد لكمني بشدة على يدي منتهزا الفرصة بينما كانت السيدة براون المدرسة خارج الصف . لم استطع ان أكمل و اغرورقت عيني بالدموع و رغم ان جيريمي قال انه "أسف" الا انه كان واضحا انه لم يقصد الاعتذار . حاولت أنسى الموضوع و لكني لاحقا أخبرت اخي "قريب" .
لاحقا بعد المدرسة ترقبت خروج جيريمي و باقي الطلبة من الصف الثامن و اشرت لأخي قريب الى جيريمي الذي لكمني . لم أكن غاضبة و لكن أردت الا يضايقني و يلكمني مرة اخرى . توجه "قريب" الى جيريمي و سأله عما دعاه الى ضربي . قبل ان يجيب عاجله قريب بلكمة على يده جعلته يبكي . لم يكن منظر صبي في
الصف الثامن يبكي أمام زملائه محببا لدي ! توقف جيريمي عن مضايقتي و لكن حل محله اخرون ! أردت فقط ان اذهب الى المدرسة دون ان اقلق هناك شخصا ما سيسخر من حجابي و لباسي و ديانتي ! أخبرت أمي يوما ما اذا كان يتوجب علي لبس الحجاب بينما كنت استعد للذهاب الى المدرسة .
نظرت الي أمي بحدة و قالت "نعم ! يجب عليك ذلك ! الامر قد يكون صعبا احيانا و لكن تذكري هذا كله جزء من خطة الله ! أعدك عندما تكبرين ستفهمين ان الحجاب نعمة و ليست عقابا !" الان عرفت ان أمي كانت على حق ! أردت فقط الاندماج مع أصدقائي و لكني ادرك هناك دوما سيكون سبب لمعاملتي بشكل مختلف.
في يوم كنّا جالسين مع اخي قريب كانت أمي تنظر من خلال النافذة الى صغار يرتدون ملابس بيضاء و أقنعة و بيدهم سيوف . سألت قريب من هؤلاء الصغار و ماذا يفعلون ؟ اجاب قريب "إنهم فريق المبارزة للمدرسة". زاد اهتمام أمي بالأمر و اتضح ان ثانوية كولومبيا تمتلك فريق مبارزة و برنامج تدريب جيد.
الامر راق لأمي لان اللعبة تتطلب لباسا يغطي الجسد بشكل كامل كما إنها لا تتطلب من ابي و أمي ان يأخذانني بالسيارة اليها و لكن المشكلة انه لا احد في العائلة يعرف شيئا عن اللعبة . أمضت أمي وقتا طويلا على الانترنت بحثا و اتصلت بالمدرب فرانك مستيلي و هو لاعب سابق معروف لإعطائي دروس خاصة
في الدرس الاول ذهبت مع ابي الى منزل المدرب مستيلي و قال لي ان المبارزة مثل الشطرنج .عليك ان تكوني قوية و استراتيجية في نفس الوقت ! أومأت و حاولت استيعاب الكلمات . "كما انه عليك ان تكوني سريعة أيضا . المبارزة تتطلب سرعة و تكنيك "! بعد الدرس رجعنا الى المنزل و لم يكن أبي سعيدا !
سألته أمي عن السبب ، قال "ابتهاج لن تُمارس المبارزة . لم يعجبني كيف كان المدرب يمسكها بيديه اثناء التدريب" سألتني أمي ان كان الأمر ضايقني فقلت "لم أشعر بالارتياح في المرآب الذي تدربنا فيه. لم يكن الامر مثيرا". صعدت الى غرفتي و علمت ان المبارزة لن تناسبني و لكني سعيدة بالمحاولة .
معلمتي السيدة راموس كانت دوما تقول لي "ليس من المبكر أبدا ان تفكري في طريقة لتغطية نفقات دراستك الجامعية لاحقا . يجب أن تعتمدي على نفسك و ليس أبويك". قامت السيدة راموس بإعداد قائمة للجامعات التي يجب أن أقدم للالتحاق بها و كان حلمي أن أصبح طبيبة لذلك علي أن أقوم بذلك و اهتم به .
لاحظت ان جميع الجامعات المرموقة لديها فرق للمبارزة و وجدت ان جامعة برنستون العريقة أيضا لديها فريق للمبارزة . قررت بعدها ان أعطي المبارزة فرصة أخرى لانها ستكون الطريقة التي سأحصل من خلالها على بعثة دراسية إن اجدتها و أصبحت ماهرة فيها . السيدة راموس قالت علي ان أفكر بالبعثات
المميزة و الفريدة و ليس تلك التي يبحث عنها الجميع . اصبح امامي ٤ سنوات لكي اصبح لاعبة مبارزة جيدة و احصل على بعثة دراسية . لاحظت ان اغلب لاعبي المبارزة كانوا بيض و وجود لاعبة مبارزة سمراء هذا حتما سيجعلني مميزة ! ان أكون كالبقية لم يكن أبدا خياري ، الامريكية السمراء المحجبة !
أقنعت والدي يأن علي ان أعود للتدريب في المبارزة لكي احصل علو بعثة دراسية و بما أنني كنت ساتدرب مع فريق و ليس في مرآب شخص ما وافق والدي . حاولت إقناع صديقاتي (نيكول و آنا) من فريق مرة الطائرة لمرافقتي في تمرين المبارزة و التقينا امام احد الكافتيريا التي يتم فيها التدريب .
كنت البس الملابس الرياضية الطويلة و سألتني آنا اذا كنت احس بالحر لان الجو كان حارا . فأجبتها "لا انا بخير" ، قالت لي آنا "كنت سأتعرق بشدة لو ارتديت ملابسك لا أعلم كيف تستطيعين فعل هذا " قلت لها "انا معتادة على ذلك" ، قالت انا "لن أستطيع أبدا ان أكون مسلمة لأني اشعر بالحر دائماً "
ضحكنا معا و حاولت تجاهل تعليقاتها و دخلنا الثلاثة الى الكافتيريا و لكن آنا و نيكول لم يعجبهما الوضع لان الغرفة كانت مليئة بالشباب البيض ! قالت انا "سأقتل فرصتي للظفر بحياة اجتماعية طبيعية ان انضممت الى هذا الفريق " ! تفهمت ما قالتا بالفتيات في سنهما يبحثون عن الفتيان و الحفلات .
بالنسبة لي الركض خلف الفتيان و الحفلات لم يكن خيارا لي كوني نشأت في بيت مسلم و أبواي كانوا قد حظرا علي الذهاب الى اَي حفلة فقد كان عمري ١٢ سمة و بدأت للتو الدراسة في المرحلة الثانوية . تخلا عني آنا و و نيكول و لم ينضما الى فريق المبارزة و احسست بخيبة الأمل نوعا ما و الغضب .
انضممت الى تدريبات المبارزة و اخترت سلاح "الايبيه" بناءا على نصيحة بعض الفتيات الجدد في الفريق . تفاجأت ان السلاح لم يكن طرفه حادا بل كان زر مستديرا . اللباس كان عبارة عّم طبقات عديدة و لكن الجزء الأفضل كان هو القناع حيث كان مناسبا بشكل مريح للحجاب الذي أرتديه .
عندما كنت أرتدي القناع لم أكن أبدو مختلفة عن اَي احد اخر حيث كان اللبس يغطيني من الرأس الى أطراف الاصابع . في البداية تعلمت كيفية حركة القدم و بدا الأمر كانني اتعلَّم المشي من جديد . لم يكن احدا يسخر من احد و الكل كان جادا و يركز فيما يفعل . شيئا فشيئا أصبحت المبارزة شيئا مهما لي
كنت أتدرب ٣ ساعات بعد المدرسة كل يوم من الاثنين الى الجمعة و السبت صباحا . المدرب كان يجبرنا على العمل بشكل جاد و لم يكن هناك ابيض أو اسود ، مسلم او مسيحي. الجميع كان جزء من فريق ثانوية كولومبيا . كوني كنت المحجبة الوحيدة كنت احس بالنظرات الي احيانا عندما ادخل صالة التمرين.
و لكن بمجرد ما ان أرتدي قناع المبارزة كنت احس بالارتياح و اصبح كالآخرين . بعد نهاية الموسم الاول لم امثل الفريق كثيراً و لم اصبح ماهرة بما فيه الكفاية الا انني لاحظت نمو العضلات في بطني و رجلي و أستطيع العدو لأربعة اميال دون ان اتعب و احسست اني أقوى و اكثر ثقة .
أصبحت افضل المبارزة على اَي رياضة اخرى . كانت الرياضة الوحيدة التي لا أرتدي من اجلها لباسا مختلفا كما انني كنت احب ان اشعر بالسيطرة التامة فيها على نفسي لانها رياضة فردية في مقابل الرياضات الجماعية الاخرى حيث ممكن توجيه اللون فيها لأي احد في الفريق حال الخسارة .
تسرد ابتهاج قصتها عندما لاحظ مدربها حماسها و ارادها ان تلعب مستخدمة سلاح السيف saber و ليس الايبيه. اعترضت ابتهاج في البداية و لكنها قبلت على مضض لاحقا . تقول كنت بدأت أتعود على الايبيه و لم أودّ التغيير . تسجيل النقاط كان مخلفا بين السلاحين . كان الامر صعبا جدا في البداية .
و لكن المدرب اخبرني انه سمعني اصرخ و أزئر خلال التمرين و هذا علامة الأبطال الفائزين و لهذا ارادني ان أبارز بالسيف . قال لي ان بالسيف لا يوجد مجال للتفكير و الانتظار و عليكي ان تحركي بسرعة كالصياد! لم أكن اعلم اذا كان المدرب مجنونا ام متحمسا جدا فقط !
في خلال شهر بدأت أشارك في المباريات ضد المدارس الاخرى و بدا تصنيفي يصعد و تطلب الامر مالا لكي أشارك في بطولات اخرى لكي يتحسن مستواي و تصنيفي و تكفل والدي بالمال اللازم و اخبرني ان لا اقلق بشأن المال و ان أفكر في الفوز فقط .
في يوم ناداني المدرب و اخبرني انني احتاج نتيجة واحدة فقط لكي أشارك في دورة الألعاب الأولمبية المصغرة ! حققت نتائج جيدة و بسرعة اصبحت افضل مبارزة سيف في ثانوية كولومبيا . شاركت في الدورة الأولمبية المصغرة و لكن خرجت من الدور الاول . بكيت كثيراً و حاولت أمي التخفيف عني .
قالت لي انني لم أتدرب الا فترة شهرين فقط و انه ربما علي احضار مدرب خاص و انها هي و ابي مستعدان للعثور على مدرب كهذا . قلت لامي "لقد بارزت بشكل سيّء و ربما لن تكون هناك فرصة أخرى"! قالت لي أمي "لا تقلقي كل شيء سيكون على ما يرام "
بعد خيبة الامل في دورة الالعب الاولمبية المصغرة قررنا انا و أمي الذهاب الى مدينة نيويورك حيث سمعنا بمؤسسة بيتنر ويست بروك لتدريب المبارزين. قررت الذهاب أنا و امي و اختي فايزة. بيتر ويستبروك كان لاعبا سابقا و كان أول أمريكي أسمر يحرز ميدالية أولمبية في المبارزة و أسس هذه المؤسسة
في عام ١٩٩١ في قلب منهاتن . المكان كان عجيبا و ملئ بالسمرو حتي المدربون كانوا سمرا أحسست كأنني طفلة عمرها ٥ سنوات تذهب الى ديزني لاند. الدخول الى مكان ملئ بناس مثلي هو امر مختلف عن الدخول الى مكان الكل فيه يراقبني و يتوقف عند حجابي و أشك فيه ان كان ديني او لون بشرتي سيمنعاني من
النجاح لهذا أحسست بالحرية في هذا المكان . أبواي كانا قد اشترا لي بدلة جديدة تكلفتها حوالي ٧٠٠ دولار و ههو لم يكن مبلغا هينا في منزلنا. بعد آن قابلنا الشخص الذي استقلبنا ذهبت الى غرفة الملابس و ارتديتها بفخر . بدأت بمبارزة بعض الفتية هناك أمام ناظر المدربين و تغلبت عليهم كلهم .
كنت انتظر أن يأتي السيد ويسبروك بنفسه و أن يكيل لي المديح و أردت ان اسمعه منه. في النهاية أتى بعد أن شاهدني لبرهة و قال لي مبتسما "سيدة ابتهاج . أرى ان المدرب ماستيلي قد علمك أشياء كثيرة "! أخبر أمي بأن علي الانضمام الى مجموعة النخبة و أأتي الى المؤسسة لاتدرب لأن مستواي كان
متقدما بكثيرا عن البقية . في مقابل هذا سيمنحني عضوية مجانية و عندما أكون جاهزة ستقوم المؤسسة بمساعدتي لتغطية نفقات الدورات التي سأشاك بها . سعدت كثيرا أنا و أمي بهذا العرض و وافقت على الفور. السيد ويست بروك كان يبلغ الخمسين من العمر و مع هذا كانت يداه سريعة جدا .
كان دوما يستعين بفقرات من الانجيل و يطبقها في المبارزة . زاد العبء علي فبالاضافة الى المحافظة على تقير A في فصول الدراسة و التمرين في كرة الطائرة و المبارزة ، كان علي أن أذهب الى المؤسسة ثلاث ايام في الاسبوع بالاضافة الى يوم السبت. جدولي كان بلا توقف !
حتى مع قدوم شهر رمضان كان علي لعب الكرة الطآئرة و المبارزة من الفجر الى غروب الشمس مع الامتناع عن الاكل و الشرب . لم اكن اريد الاستسلام و جنون حياتي كطالبة رياضية أضحى هو الوضع الطبيعي. أبواي كانا دوما في عوني. كانا يتوقعون الامتياز و لكنهما ايضا خلقا البيئة المناسبة لها ١٠٠٪ .
عندما أتى الوقت لاختيار الجامعة التي أريد الالتحاق بها ، اخترت جامعة ديوك بشمال كارولينا لانها وفرت افضل دعم مادي لبعثتي الدراسية مقارنة بجامعتي نيويورك و كولومبيا . لم يعجب القرار هذا كثير من زملائي حيث الكثير كان يفضل البقاء في الجزء الشمالي الشرقي من الولايات المتحدة.
استمريت في الدروس في المؤسسة و كان مدربي "سام" غريب الاطوار قليلا و مزاجيا. رغم انني سعدت في البداية انه سيدربيني لانه مسلم و أسمر ، شيئا ما كان غير صحيحا منذ البداية . في أحد المرات شاهدته يشرب البيرة و لم افهم كيف لمسلم أن يشرب الكحول.
في أحد المرات أتيت الى التدزيب و لكنه بمجرد أن رآني اخبرني ان علي آن ارجع الى المنزل لأنني لم أحييه عندما شاهدته من أول مرة ! رجعت و ارتديت ملابسي و اخبرت السيد ويسبروك اثناء خروجي فامرني أن ارجع و اغير ملابسي و هو سيتحدث الى سام . لم أكن الوحيدة التي عانيت من سام و مزاجيته.
في أحد المرات أمر بعض الفتيات بالرجوع الى المنزل لأن وزنهن قد زاد و عليهن انقاصه لكي يعودوا الى التدريب. كنت اتذمر و اشتكي و لكن لا شيء يتغير فتوقفت عن التذمر و الشكوى. هو كان يدربني فترة نصف ساعة فقط من الساعتين المخصصين مما هون الأمر لكي أتحمله. أردت أن اركز في المرحلة القادمة
من حياتي و مستقبلي كطبيبة و قد حان الرقت لكي أقلب الصفحة و أبدأ فصلا جديدا !
"ابتهاج محمد بطلة الالعاب الاولبيمة المصغرة عام ٢٠٠٥" كان هذا منقوشا على الكأس الذي امسكته بيدي و بدأت أبكي. قالت لي كيندال (صديقتي في السكن في جامعة) " ما بك تبكين كانك فقدتي افضل صديق و انتي تمسكين بالكاس. اليس المفترض ان تكوني تختفلين او شيئا"؟! تنهدت بعمق ! بعد سنة و نصف في
جامعة ديوك كنت حزينة و وحيدة ! و من بين الكل في فريق المبارزة كان لي صديقا واحدا ، فتى أسمر اسمه "جوش". معظم الفتيات في الفريق لم يكونوا مهتمين بي و لا يرغبون في صداقتي . كان جدولي مزدحما و لم يكن لدي وقتا للاختلاط و المجاملات الاجتماعية . الا انه الان لم اكن حتى استمتع بالمبارزة
في احد المرات كنت ادرس و اقنعني بعض زميلات السكن بالذهاب الى حفلة . في ديوك كانوا قد خصصوا سكنا خاصا للفتيات السمر و لم يكونوا يخفون هذا و انا كنت اقدر انني اسكن مع فتيات احس انهن كأخواتي في نفس السكن و الطابق. بقية الجامعة كانت بغالبية بيضاء .
ذهبت الى الحفلة و رآني مارك و قال لي "ابتهاج ! لم أكن اعلم انك تذهبين الى الحفلات! احدهم قال لي ان المسلميين لا يشربون الخمر "! قلت له "انا لا اشرب الخمر" . سألني ما اذا كنت اريد الرقص. لم أكن أودّ ان اقول له ان ديانتي تحرم ذلك و أنني لا اجيد الرقص أيضا فقلت له بأدب "لا شكرًا" !
أحدهم لاحقا قدم لي شرابا لكي يتأكد اني "مسلمة حقيقية" ! شعرت بالغضب و أطلقت صرخة في داخلي و سألت نفسي عما ماذا أفعل في ذلك المكان ؟! تنصلت و مشيت الى المخرج و أخبرت صديقتي انني سأذهب الى السكن لكي أكمل دراستي . نظرات الخيبة كانت واضحة على وجهها . رجعت الى السكن لكي أكمل دراستي
لامتحان الكيمياء و لكني لم استطع ان أكمل سطرا واحدا من القراءة . بدأت أتصفح بعض الكتب التي كنت احتفظ بها على الرف للادباء الأمريكيين السود مثل أليسا والكر و توني موريسون . طالما أحببت قراءة الأدب الأفريقي الامريكي . سألت نفسي "لم لا أستطيع دراسة شيء أنا مهتمة فيه "؟!
في هذه اللحظة أحسست بتغير مفاجيء . انا لا ارغب في دراسة الكيمياء و العلوم . انا اريد دراسة الأدب و التاريخ الأفريقي الامريكي و لكنني لم أكن استطع الغي خططي لكي اصبح طبيبة بهذا الشكل السريع لقد عملت لهذا طوال حياتي ! لم أكن قد اخترت تخصصي بعد في الجامعة .
في الصباح التالي استيقظت و لم أكن أشعر بالارتياح حول قراري بعدم دراسة الطب و لكني لم أملك كثيرا من الوقت للتردد في القرار . كان الامر صعبا جدا . الاستيقاظ من الساعة ٧ صباحا ، التمرين ، حضور الفصول الدراسية، يتبعه تدريب المبارزة الى الساعة ٧ مساءا كل يوم !
قررت ان أغير تخصصي الى تخصص رئيسي في الدراسات الأفريقية الامريكية و العلاقات الدولية مع تركيز عَلى الشرق الأوسط و اللغة العربية كتخصص ثانوي مساند . أخبرت أبواي و رغم إنهما تفاجآ في البداية الا إنهما سانداني و اخبرني ابي انني دوما أفعل الشيء الصواب .
المشكلة الاخرى كانت حياتي الاجتماعية . بدأت الاحظ ضعف الصلة مع الاسلام و احسست كم افتقد الى مجتمعي المسلم في موطني قبل المجيء الى جامعة ديوك. كنت المحجبة الوحيدة في ديوك و لاحظت انني بدأت لا أصلي الا عندما أتضايق او عندما أواجه صعوبة في دراستي او عندما كان يضايقني أعضاء في الفريق
لم أكن اريد ان أكون المسلمة التي تتوجه لله فقط عندما تحتاج شيئا ! كنت اعلم ان هذا ليس صحيحا . كنت اريد ان أعيد اعادة معتقدي الى مركزه الصحيح و احسست وجود مجتمع مسلم سيساعدني في هذا الأمر كثيرا فقررت الانضمام الى تجمع الطلبة المسلمين MSA و الحضور لصلاة الجمعة قدر استطاعتي .
شيئا فشيئا بعد سنة بدأت التقي بأصدقائي المسلمين مساءا ٣ مرات في الأسبوع . احسست ان المبارزة بدأت تصبح عبئا علي و لم أكن احس يروح الفريق و اصبحت مصدرا للقلق . كان بقية أعضاء الفريق يضايقونني انا و صديقي جوش بنكت عنصرية سخيفة ضد السود و هذا أدى الى ان ينسحب جوش من الفريق و ظللت
وحدي بعدها في الفريق ! بعدها قررت ان ابتعد عن المبارزة و الذهاب في رحلة دراسية الى المغرب . أردت ان أقوي إهتمامي باللغة العربية و استضافتني عائلة مغربية في مدينة الرباط . أحسست بالألفة و الاندماج التام . كنت مسلمة في بلد مسلم . القدوم الى المغرب سبب لي صدمة ثقافة اقل من ديوك !
الناس هناك كانوا طيبون جدا و الاكل لذيذ جدا و كذلك "حلال" ! كنت العب كرة الطائرة على شاطىء المحيط و أمارس تسلق الامواج . في يوم ما كنت جالسة أراقب غروب الشمس على المحيط أحسست انني اريد ان أساعد غيري عند الرجوع الى الولايات المتحدة . أردت أيضا ان أظل أمارس اللغة العربية لكي لا
افقد ما تعلمته في المغرب . فور رجوعي الى الولايات المتحدة أخبرت مدربي في ديوك انني سأترك الفريق خلال السنة الاخيرة قبل التخرج . لم يبد اعتراضا كبيرا ربما لأنه كان يعلم أنه لا شيء يربطني بالفريق فلم أوقع عقدا و لاشيء يربطني بالفريق .
مع تخرجي احسست بثقة و ارتياح كوني امرأة أمريكية سمراء مسلمة و قد تخطيت مرحلة العلاقة الطفولية مع الله و لا احتاج أبواي لمراقبة كيف أمارس معتقدي . هناك بعض الأشياء التي قررت عملها كامرأة مسلمة ربما لم يكن أبواي ليوافقا عليها مثل الاستماع الى موسيقى البوب و أصدقاء من الذكور .
و لكني بطريقة ما أثبتت لنفسي ان هذه الأشياء لن تؤثر على التزامي بديانتي و معتقدي . بالنسبة للمبارزة فقد أوصلتني الى هدفي و هو الدخول الى الجامعة و لكن حان الوقت للمضي الى الامام الان !
في ٢٠٠٨ كنت ابحث عن عمل في مدينة نيويورك و كنت في طريقي الى مقابلة للعمل كمساعدة قانونية . دخلت احد المكاتب في العمارات الشاهقة في منتصف نيويورك و استقبلني سكرتيرة ببرود و سألتني عن اسمي . أخبرتها أسمي "ابتهاج محمد وأتيت لمقابلة السيد فينچ" . رفعت السماعة و قالت للسيد فنچ ان
هناك شخصا بالاسم الأخير "محمد" يريد مقابلتك و أمرتني ان انتظر . لم انزعج كثيرا من فظاظتها فسكان نيويورك معروفون بأنهم غير ودودين كثيرا . جلست و قلت "بِسْم الله" و تصورت نفسي قد حصلت على الوظيفة و اعمل في احد مكاتب الشركة في ابو ظبي يحيث يمكنني ان اتعلَّم المزيد من اللغة العربية .
خرج الي السيد فينچ - كان في منتصف الثلاثينيات" و سلم علي و أخذني الى مكتبه للمقابلة . في اثناء مروري بالمكاتب لاحظت قلة عدد الموظفين الملونين في الشركة و غاص قلبي قليلا و شعرت بعدم الارتياح التام . دخلنا المكتب للمقابلة .
شرح لي السيد فينچ طبيعة العمل الشاقة و انني سأعمل مع محامين قد تكون طلباتهم مرهقة "قد يتعين عليك المكوث في المكتب الى الساعة ٢ بعد متصف الليل و العمل في عطلة نهاية الأسبوع فهل إنتي مستعدة لذلك آنسة ابتهاج ؟" . ابتسمت و قلت بحماسة "بالطبع فالعمل الجاد الشاق هو شيء اعتيادي لي " .
قال بنبرة مترددة نوعا ما "حسنا . هل هناك شيء بخصوص قراراتك بنمط حيانك تعتقدين انه قد يعيقك من اداء عملك على اكمل وجه ؟!". أصابني الامتعاض قليلا و أحسست بالصدمة ! لم أكن اصدق انه يقصد حجابي و ديانتي قد يعيقاني عن العمل في الشركة و لم افهم ما الربط بين الأمرين !
قلت له " سيد فينچ ! انا البس هذا اللبس و الحجاب منذ كنت في المدرسة طوال حياتي و تخرجت من الجامعة بهذا اللبس . لم يعيقني هذا اللبس من ذلك و لا اظن انه سيعيقني من اداء عملي هنا "! أجاب قائلا "نعم بالطبع" أحسست انه لم يكن مقتنعا . و قال لي أعلم ذلك و لكن نحن كود خاص بخصوص اللبس و
احسست انه ربما قد لا تكونين مرتاحة الى البقاء الى وقت متأخر به " . عرفت من كلامه ان المشكلة لن تكون بي و إنما في الأشخاص الذين سيكونون معي و ربما لن يحسوا بالارتياح كوني محجبة في نفس المكان معهم . سألني بعدها بضعة أسئلة لم اعتقد انها كانت ترمي الى شيء و انتهت المقابلة و علمت انها
المرة الاخيرة التي سأرى فيها السيد فينچ و هذا ما حدث بالفعل . ظليت أعاني بعدها لأشهر طويلة للعثور على عمل . كنت اتذكر احداث ١١/٩ عندما كنت صغيرة في المدرسة و لم اعرف ان هذا الامر سيكون له تأثير على فرص عثوري على عمل . لم أكن اعتقد ان حجابي فقط كان كل المشكلة و لكنه كان جزءا منها
عانيت كثيرا للحصول على عمل و استغليت فراغي في التردد مرة اخرى على مؤسسة ويستبروك المبارزة . كنت أتمرن بضراوة و بعض زملائي لم يكن يفمهوا حدتي في التمرين . كنت انفس عن غضبي و احباطاتي - على أمثال السيد فينچ- نوعا ما من خلال المبارزة . بدأت استرجع لياقتي البدنية بشكل سريع .
المشكلة ان التمرين على المبارزة كان مكلفا و انا كنت بلا وظيفة . كنت أعيش مع أبواي اللذان بالنسبة لهما كان واجبا على اَي حال و كذلك لأخواتي الى ان نتزوج مما وفر علي و أزاح عبء ايجار شقة و مسكن خاص . و لكن في النفس الوقت كنت خريجة جامعة و لم يكن أبواي مستعدان لدفع تكاليف التمرين .
وصل الامر بي حد اليآس الى ان اضطرت ان اعمل كمحاسبة في متجر "دولار" . كان العمل مملاًّ جدا هناك و كنت أرجع الى المنزل أحس بالملل و الاحباط و اجلس مستلقية في الصالة لمشاهدة التلفزيون فقط . أمي و اختي الصغيرة كانتا يرثيا لخالي و كنت اكره ان أكون هدفا للشفقة في البيت !
اختي الصغيرة بدأت تأخذ دروسا في المبارزة أسوة بي و في يوم رجعت مع أمي الى المنزل من المدرسة و اخبرنني ان مدربي القديم السيد ماستيلي يبلغني التحية . لم أكن اريد ان يعرف انني ما زلت عاطلة ابحث عن عمل فهو كان و لا زال يعتبرني "قصة نجاح" و لحسن الحظ اختي لم تخبره أني بلا عمل !
قالت لي أمي انه علي ان أفكر في عمل ما و يوجد وظيفة مدرسة بديلة شاغرة و بما أنني اجيد التعامل مع الأطفال فعلي ان أفكر يذلك بدلا من العمل في متجر دولار ! الطريقة التي قالت بها "متجر دولار" بنبرة استهزاء ضايقتني و قلت لأمي العمل لمدرسة لم يكن ضمن خططي ! نظرت الي أمي بحدة و قالت
"معذرة ابتهاج و لكن الشهر الماضي اضطررتي ان تفترضي لسداد فاتورة هاتفك و الان تعملين في متجر دولار لا اعلم كيف ان العمل كمدرسة سيكون سيئا " .. بكيت و قلت لأمي انني لا اعرف حقيقية ما أريد ! قالت لي أمي "لا تقلقي ستكوني بخير " قلت لها "لم أدرس و اتخرج من الجامعة فقط لأكون يخير " !
بعد أسابيع وجدت نفسي في النادي الجديد لمدربي القديم السيد ماستيلي في نيو جرسي. أصبح للمدرب ماستيلي ناديه الخاص الذي يدرب به طلبة الثانوية العامة . رآني المدرب ماستيلي و رحب بي قائلا "من الجيد رؤيتك مرة اخرى ابتهاج . ماذا أستطيع ان افعل من أجلك ؟" أجبته "مساعدتي التعرف ماذا اريد
ان افعل في حياتي سيد ماستيلي. هل يمكنك ذلك . هل يمكن ان تعطيني دروسا مرة اخرى ". قال لي ماستيلي "حسنا ابتهاج . اذهبي و غيري ملابسك !" شعرت بالطاقة تملأ جسمي من جديد و شعرت بالحياة مرة أخرى منذ أشهر عديدة . طلب مني السيد ماستيلي الإحماء و ثم خضت معه جولة تدريب قاسية . طلبت منه
أن يكون جادا و حازما في التدريب . بعد التمرين جلست معه و كان وجهه يتصبب عرقا و تناول زجاجة الماء و قال لي "ابتهاج لماذا انتي هنا ؟" "ما قد رأيته للتو منك شيئا مميزا و لم أكن اعلم انك تملكين كل هذا "! سألته حقا ان كان يظن انني ما زلت أملك موهبة ؟!" . "موهبة؟!" قال . "انتي لم تبلغي
القمة بعد ! ان أردت الذهاب الى أقصى الي الطريق في المبارزة فتستطين ذلك "! اعقد انه بإمكانك ان تنافسي في الاولمبياد و المسابقات الدولية . انا جاد فما رأيته اليوم منك كان شيئا غير متوقع"! "ان أردت ان تكرسي حياتك لتصبحي رياضية محترفة تستطيعي ذلك و لكن الامر لن يكون سهلا بتاتا " !
"نعم انا مستعدة لذلك !" قلت للمدرب ماستيلي !
كنت احتاج الى مصدر ثابت للدخل لتمويل تدريباتي على المبارزة . فكرة المدرسة البديلة لم تعد سيئة على الإطلاق . مرتبها جيد و هي مرنة بحيث أستطيع ان اختار الفصول و الواجبات التي تلائم جدول التمرين . كنت مملوئة بالثقة عند دخولي اول يوم الى المدرسة و أعطي لي صف بثلاثين طالب و طالبة من
مختلف الاعمار كثيرا منهم اصغر مني ببضع سنوات فقط . لم يتقبلني كثيرا التلاميذ و لم يعيروا اهتماما كثيرا لوجودي و تعليماتي لهم . اتذكر مرة طلبت منهم القراءة و لم يمتثلوا لاوامري و صرخت احدى الطالبات "لن أقرأ أي شيء في هذا الفصل و لا تطلبي مني هذا مرة أخرى" !
كنت اتساءل عن سبب وجودي في هذا المكان غير انني اريد مالا لكي ادفع لدروس المبارزة . الكثير كان يظن انني مجنونة لأنني تخرجت من احد افضل الجامعات و الان انا مهتمة فقط بالمبارزة ! كنت محبطة من تمريناتي مع سام لأنني لم أكن احرز اَي تقدما معه . كان يعاملني بشكل سيّء جدا أيضا !
تحدثت الى السيد ويستبروك عن حلمي بأن اصبح مبارزة محترفة و لكنه قال لي "تستطيعي اللحاق بحلمك و لكن لا اعلم ان كان هذا شيئا واقعيا و انت في الثالثة و الثلاثين من العمر" ! استمرت في العمل في مدرسة مالكوم اكس شاباز الثانوية و كان احد الأسباب هي انها على بعد ٥ دقائق بالسيارة من بيت
جدتي (ام والدي) . كانت قد بلغت الثمانين و كان علي ان اطمئن عليها بانها على ما يرام بين فترة و اخرى . جدتي كانت امرأة رائعة و كانت دوما تقص علي قصص من طفولتنها و كيف ربت ١٢ طفل ! أخبرتني ان ابي بدأ يهتم بالإسلام منذ ان شاهد فيلم السندباد و البحار السبع ! لم تكن من النوع الذي يذهب
الى الطبيب فيما عدا طبيب العائلة و ولدت ١٢ طفلا كلهم في المنزل و ليس المستشفى ! رأيتها في أيامها الاخيرة تموت ببطء و حمدت الله انه أعطاني الفرصة لكي اهتم بها و أرعاها . قوة و صلابة جدتي دفعتني الى البحث عن القوة في داخلي . كانت تخبرني دوما ان علي الا استسلم . "كيف تظنين انني
استطعت تدبر امر ١٢ طفلا خلال هذه السنوات ؟!" كانت تقول لي . "هل كنت أعلم ان كل شيء سيكون على ما يرام"؟! "لا . انا فقط لم أتوقف " !
الكثير كانوا يظنون أنني مجنونة لأني اخترت رياضة كالمبارزة . أستطيع توجيه بعض اللوم لابي و أمي لأنهما اختارا لي رياضة تناسب معتقدي في مرحلة الثانوية و لكن قرار التكملة من بعد سن الثالثة و عشرين كان راجعا لي انا فقط ". "الشخص العادي لا يفهم ان الرياضي المحترف لا يولد بل يصنع"!
في عام ٢٠٠٩ حدث تحول كبير في حياتي حيث التقيت السيد اخناتان سبينسر و هو مبارز سابق في الفريق الوطني و شارك في أولمبياد سيدني عام ٢٠٠٠ . تدربت معه فترة قصيرة و قال لي بعدها انني "أستطيع ان أكون من افضل المبارزين في العالم"! قال انه "لدي رد هجومي طبيعي و قوة كبيرة و سيجعلني بطلة
حقيقية "! لم اصدق ان بطل أولمبي سابق يقول لي هذا . المشكلة انه كان عليه ان يسافر الى هنغاريا لكي يصبح مايسترو موسيقي و لن يرجع الا بعد ثلاثة أشهر . أصبت بالخيبة الشديدة و هذا يعني انني ساتدرب مع سام الذي لم أعد أطبقه لثلاث أشهر قادمة ! لم يكن لدي خيار اخر .
رجع "اخي" بعد ٣ أشهر و تعلمت منه أشياء مذهلة ! احسست كانني أتناول طعاما فاخرا بعد نظام غذائي يحتوي على القمح فقط ! استوعبت كل شيء كان يقوله لي و كان دوما يقول ان المبارزة "لعبة عقول و ليس فقط لعبة بدنية " ! بعد أشهر قليلة ارتفع تصنيفي و اصبحت قادرة على المشاركة ببطولات دولية !
ذهبت الى لندن لأول بطلة مع صديقتي (كنداس) التي كانت مبارزة افضل مني . رغم اننا خرجنا من الدور الاول و أصبت بعدها بخيبة أمل شديدة ، قالت لي كينداس بانه لا يجب ان اجعل كل هزيمة تدمرني ! جلست الى اخر البطولة و كنت أراقب للاعبين الذين هزموني و أدوّن ملاحظات حول اسلوبهم في المبارزة !
لكل واحد منهم كان اسلوبا مميزا يستحق الإعجاب . كانداس كانت محقة . انا قوية و سريعة و لكن علي ان ابارز بشكل اذكى تحت الضغوط !
في المدرسة التي كنت اعمل بها كان هناك فقط ٣ تلاميذ يلتهمون كل ما أدرسه لهم و لعل هم فقط كانوا السبب في قدومي للعمل . كنت احتاج للعمل لأن المال الذي كنت اتقاضاه كان يسدد فواتير و رسوم الدورات التي كنت أشارك بها . ستكون كارثة اذا لم أكن أستطيع أنافس لأني لا املك المال الكافي !
اختي فايزة - ٦ سنوات - بدأت هي أيضا بالمبارزة و تتبع خطواتي . احبها كثيرا و اعتبرها اختي و طفلتي الصغيرة . في الثانوية العامة هي قد أصبحت مبارزة أفضل مني و من افضل المبارزين في الولاية . فايزة عانت كما عانيت انا بسبب كونها رياضية سمراء و بسبب لبسها الحجاب .
في احد الدورات كنت معها و أتت الي مسرعة تقول بذعر منقطعة النفس "ابتهاج ! يقولون انني لا أستطيع المبارزة بسبب الحجاب " ! يبدو ان احد الحكام كان يشكك في الأوراق التي تسمح لها بارتداء الحجاب لأسباب دينية . "ماذا يجري؟!" قلت لها. "لقد أعطيتهم الأوراق اللازمة مبكرا كالعادة " !
قالت فايزة "يقولون انهم ليست لديهم الأوراق اللازمة"! أخبرتها الا تقلق و اني سأتدبر الامر . كنت دائماً احتفظ بنسخة إضافية من الأوراق معي تحسبًا لموقف كهذا ! ذهبت الى لجنة التحكيم و حاولت الا أبدو غاضبة و قدمت للرجل الذي بدا في الخمسينات من العمر الأوراق اللازمة .
رغم ان الأوراق تحتوي على رسالة ذات أسطر قليلة الا ان أخذ وقتا طويلا لقرائتها ! سألته ان كان كل شيء على ما يرام ؟! و ان هذه نفس الرسالة التي استخدمها منذ ٤ سنوات و نصف و التي تسمح لفايزة بارتداء الحجاب في المبارزة لأسباب دينية .
رفع رأسه من الورقة و نظر الي مبتسما و قال "حسنا . هي تستطيع المبارزة . و لكن من الضروري في المرات القادمة ان نحصل على هذه الورقة مبكرا "! أردت ان أجادله و لكني فضلت الصمت و ابتسمت فهو في النهاية سيكون الحكم الذي سيحكم مباريات فايزة ! ذهبت الى فايزة و أخبرتها و شكرتني .
قلت لها "لا تشكريني ! فقط فوزي !" و هذا ما حدث لاحقا بالطبع !
مع تحسن مستواي و النجاحات التي حققتها كان "آخي" يرغب ان أشارك في بطولات دولية . كانت هناك بطولة كأس العالم قادمة في تونس و رغم عرضي المخيب قبل أشهر في لندن ، أحسست ان تدريباتي خلال الستة الأشهر التي تبعتها قد أحدثت فرقا كبيرا ! هذه المرة سافرت الى تونس مع "آخي" و احسست بالثقة !
ذهابي الى بلد مسلم أيضا محاطة بأشخاص يبدون مثلي جعلني لا اقلق كثيرا على كيف سينظرون لي . وصلنا بعد رحلة تجاوزت الخمس عشر ساعة و كنت مرهقة و لكن "آخي" قال لي ان أقاوم النوم لكي يتعود جسمي على الفارق الزمني . بعد وصولي مباشرة ذهبنا الى التجول و التعرف عَلى المدينة . تونس بدت شبيهة
بالمغرب و احسست بسعادة التجول في بلد مسلم بالحجاب و في نفس الوقت تلقي الابتسامات و التحية من الناس في الشوارع . كنت وجها مألوفا في الجمهور مع ذهن صافي و قلب سعيد . الان أستطيع ان اخلد الى النوم و أفكر في شيء واحد فقط و هو الفوز !
سارت البطولة على شكل جيد و كسبت الجولات الستة الاولى كلها جميعا و تقدمت الى المرحلة التالية في اليوم الثاني من المسابقة . في اليوم التالي استيقظت مبكرا قبل طلوع الشمس لصلاة الفجر ثم جلست قرب النافذة اشكر الله لأنني وصلت الى هذه النقطة و طلبت منه العون و القوة لمبارياته القادمة .
تذكرت ان أمي ساعدتني في دفع نصف قيمة التذاكر و إقامة الفندق . أبواي كانا شجاعان في دعمهما لي بالمال مع الأخذ بالاعتبار انه لن يكون هناك مردود سريع لهذا الاستثمار ! أخبرتني فايزة ذات مرة ان النساء في المسجد كانوا يبدون استيائهم من والدتي لسماحها لي السفر لوحدي - دون ابي او أخي .
كانوا أيضا يقولون انني أضيع وقتي في المبارزة بدلا من التركيز على الزواج و الحصول على عمل . سألت فايزة عما كانت أمي تقول لهم ؟ "كانت تتجاهلهم و تغير الموضوع"! ضحكنا انا و فايزة . هزيت رأسي و قلت "لا أتوقع من أحد ان يفهم رحلتي و لن أدع آرائهم تشوش علي نظرتي " .
حققت مركزا مرتفعا في بطولة تونس - الثاني عشر- . لم يفهم ابي سبب حماسي أنني حققت هذا المركز ! هو دوما يتوقع ان أكون الاولى . و لكن من يعرف نظام التصنيف و طبيعة المسابقات سيعرف ان هذه كانت خطوة مهمة جدا ! للمرة الاولى الان بإمكاني ان أشارك مع الفريق الوطني للولايات المتحدة .
كنت مصدومة من هذا الخبر ! و لكن الامر اصبح رسميا فأنا الان من افضل اربع نساء مبارزات بالسيف في الولايات المتحدة !
بما أنني تأهلت الى منتخب الولايات المتحدة للمبارزة ، لا يصرف لي معاش و إنما علاوة تشجيعية كانت تقريبا تعادل ما كنت اتقاضاه مقابل عملي كمدرسة بديلة . خفف هذا نوعا من الاعباء المالية و لكنني قررت ان استمر تدريب الصغار في ثانوية كولومبيا لأنني قد كونت رابطة معهم . أحسست انني الان
اخيراً قد حققت شيء ذو معنى ! رجعت الى مؤسسة ويستبروك يوما و استقبلني بيتر و احتضنني و طلب من الجميع الاستماع . كان هناك ما يقارب من ١٥٠ شاب و شابة و مدرسين و مدربين و تكلم بيتر . احتفى بي و تكلم عن العمل الشاق الذي قمت به من اجل تحقيق هذا الإنجاز و كيف انني لم استسلم . في النهاية
قال "لا تستسلموا فقط لأن أحدا قلل لكم إنكم لا تنتمون لأنكم لا تشبهون البقية . ابتهاج لم تستمع لهذا الهراء و ها هي أمامنا اليوم منتصرة "! انفجرت القاعة بالتصفيق و تقدم بعضا منهم أيضا لتهنئة "آخي" . ابتسمت للجميع م قد اعتلت وجهي حمرة الخجل من الهتاف و التصفيق ! رجع الجميع للتمرين
فريق الولايات المتحدة كان يضم ٣ فتيات أخريات اهمهم فتاة شقراء طويلة اسمها ماريل زاجونيس و هي اكثر مبارزة أمريكية محتفى بها و كانت تبارز من سن العاشرة و احرزت ميدالية ذهبية عامي ٢٠٠٤ و ٢٠٠٨ . كان هناك فتاة اخرى -داجمارا ووزنياك- مهاجرة من اصل بولندي و هي تبارز مِنذ سن التاسعة .
الفتاة الثالثة هي داريا شنيدر و هي فتاة قوية و قد فاتتها فرصة المنافسة في الاولمبياد عام ٢٠٠٨ . وصلنا الى باريس في بطولتي الاولى و كنت متحمسة . مدرب الفريق كان السيد إد كورفانتي و هو أيضا مهاجر بولندي و لاعب مبارزة مشهور سابقا . أمي و اختي براندلين كانت قد أتيتا لباريس لمشاهدتي .
أعجبتني باريس جدا فكما يقولون كل شيء هنا افضل : المكان ، الطعام ، الفن و المعمار و المبارزة أيضا . في الصباح التالي قبل وصولي الى القصر الكبير حيث كانت تقام المنافسات أوقفتني فتاة مسلمة ترتدي حجابا و طلبت توقيعي ! نظرت اليها مستغربة "انت تريدين توقيعي؟!" . قالت "نعم. انت مبارزة
أمريكية مشهورة ترتدين الحجاب و قد قرأت عنك في الصحف . انا اريد توقيعك لأنني اتطلع إليك و اريد ان أكون رياضية مثلك"! لم أكن اعلم ان هذه المقالات الصغيرة حولي التي كتبت في أمريكا قد وصلت الى فرنسا وقبل الدخول وقعت أيضا لثلاث فتيات أخريات ! احسست بالسعادة لذلك و لكني لم أكن انظر الى
نفسي كمثال او نموذج للصغار فيما عدا كوني مبارزة ! اذا كنت أستطيع ان اصيغ رؤية لهؤلاء الصغار و اجعل أحلامهم تصبح حقيقة و أبرهن ان لبس الحجاب لا يحجم من فرصهم فسأكون راضية عن نفسي تماما"! لقد بارزت ذلك اليوم من اجل هؤلاء الفتية الصغار و احسست بقوة لم أحس بها من قبل على خط المبارزة.
فيما يخص علاقتي مع باقي أعضاء الفريق و المدرب لم تكن على ما يرام . كنت احاول بشتى الطرق ان اظهر نفسي بشكل جيد و امد يدي اليهم غصن الزيتون و لكن جهودي هذه كانت كثيرا ما ترد . كانوا كثيرا ما يتجاهلونني عندما يخرجون للعشاء و لا يدعوني و المدرب كان يعاملني ببرود . لم أكن افهم السبب
وراء ذلك . كنت اتصل بأمي كثيرا في الليل من غرفتي و اشكو لها ذلك و كانت تقول لي "انتي لست محتاجة لصداقتهم فأخواتك الثلاث هم كل الصديقات اللتي تحتاجين". لا ادري ان كان سبب تجاهلهم لي هو كوني سمراء البشرة ام انهم رأوني كمصدر تهديد و لكن كلما حققت نجاحا اكثر ، كلما ساءت معاملتهم لي !
أدركت انني لا أستطيع إجبارهم على تجاوز تفكيرهم المحدود و علي أن أفكر في شيء واحد فقط لا غير - و هو المبارزة !
عندما أدركت ان محاولاتي للتقرب من زميلاتي في الفريق لن تجدي نفعا ، بدأت ابحث عن صحبة في مكان اخر. بدأت أتعرف على مبارزات من دول اخرى و اصبح هدفي هو التأهل لاولمبياد ٢٠١٢ في لندن . في دورة محلية فشلت في النهاية ضمن الستة عشر مراكز الأولى . هذا حطمني تماما و لأول مرة بكيت !
ليس لأني خسرت و إنما لأنني أحسست ان ذهني منفصلا عن بدني و لم استطع ان املك رأسي و ذهني في المباريات . تكلمت مع اختي الصغيرة فايزة و حاولت ان تخفف علي و لكني أخبرتها ان خلال هذه الدورة كلها احسست بعدم التوازن و المدرب إد صرخ علي مرات عديدة . تنهدت فايزة و قالت لي "تجاهليه !"
"هو لا يهتم بك و لا يقول شيئا إيجابيا عندما تفوزين و لهذا ليس له الحق ان يقل اَي شيء عندما تمرين بيوم سيىء !" فايزة تصغرني بستة سنوات و لكنها حكيمة جدا ! هي تُمارس الرياضة و تعرف قوانينها و لكن تعرف كل تناقضاتها .
في مرحلة ما بدأت احس بالتعب الشديد و الإعياء قبل المباريات رغم انني كنت انام جيدا و أحاول الإحماء بشكل جيد قبل المباريات . زاد هذا الشعور و بدأ يقلقني . قمت بمقابلة الأخصائي النفسي الخاص بالفريق الأولمبي جيمي هارشو و قالت الي اني أعاني من قلق الأداء و يظهر هذا بشكل إرهاق شديد .
اظن انها كانت محقة و أعطتني بعد الإرشادات و تمارين التنفس لكي أتغلب على هذه المشكلة و ابتعد عن مسبباتها . في عام ٢٠١٢ ارتفع تصنيفي الى الثاني في الولايات المتحدة و الثالث عشر في العالم . هذا يعني انه بإمكاني التأهل الى أولمبياد ٢٠١٢ . بدأت الصحف المحلية بكتابة مقالات عني و الأمل
الأولمبي القادم كأول امرأة أمريكية مسلمة محجبة تخوض مسابقات الاولمبياد . لا اعلم ان كنت استحق هذا القدر من الاهتمام . للاسف لم أخض أولمبياد ٢٠١٢ لانه تم تقليص عدد المسابقات في هذا الاولمبياد و لم يكن هناك مسابقة لفريق المبارزة بالسيف. فقط ماريا و داجمارا تأهلتا للمسابقة .
أصيبت عائلتي بالخيبة الشديدة . في أمريكا يعيش حوالي ٦،٥ مليون مسلم من جنسيات و قوميات متعددة . أدركت انني في هذا المجتمع المسلم يجب ان اكسب "شهرة" كرياضية . بسرعة اصبحت شخصية عامة في العالم الاسلامي و كنت أتلقى دعوات من كل أنحاء الولايات المتحدة . المبارزة المحجبة !
انا احب الأزياء و ارتداء الملابس الأنيقة . كنت أيضا استخدم الكحل ك"صبغ" و لم اذهب الى اَي مكان دون وضع كحل في عيني . في احد المرات كنت أتسوق مع صديقتي "حبيبة" في احد المحلات الكبيرة . حبيبة صديقتي منذ الطفولة و كنت أحرص على رؤيتها من فترة لأخرى . كانت تحاول مساعدتي في العثور على
زي مناسب لمناسبة مهمة ! كل شيء كانت تريني إياه لم يكن مناسبا و كان لائقا ب"والدة العروس" اكثر مني ! اثناء هذا تقدمت فتاة صغيرة تلبس جينز و قميص وردي بأزرة و حجاب ازرق . سألتني "المعذرة . هل انت ابتهاج محمد المبارزة الأولمبية ؟" أسرعت حبيبة الى الإجابة و قالت "في الحقيقة هي ليست
أولمبية !" استدرت الى حبيبة و أحدقت النظر اليها بحدة ! قالت الفتاة "لا بأس انا أريد توقيعك. اريد ان اصبح مثلك عندما اكبر غير اني لا اريد ان ابارز و سألعب ألعاب القوى و المضمار " ابتسمت للفتاة و وقعت لها مذكرة . بعدها أخبرت حبيبة انه علينا الخروج و اني سأطلب زي عبر الانترنت .
في الطريق ادركت ان رحلتي اكبر مني . و نجاحي سيعني الكثير لأشخاص اخرين . في هذه اللحظة في السيارة قررت انني سأكون ضمن الفريق الأولمبي و انني سأذهب مع الفريق الوطني الى أولمبياد ٢٠١٦ . لم يكن هناك خيار اخر !
ذات يوم تلقيت مكالمة من المتحدث لمكتب وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون يسألونني ان كنت ارغب بان اعمل في مكتب الخارجية لدعم المرأة و الفتيات من خلال الرياضة . كانت فرصة رائعة لي تسمح لي بان انضم الى سلسلة من الرياضيين و الصحفيين أمثال ميا هام و بيلي جين كنج .
كسرت حاجزا مهما في كوني الامريكية المسلمة التي مثلت بلدي في مسابقات دولية. و لكني لم أتأهل الى الاولمبياد بعد . قالوا لي انه بوسعي الرد بعد يومين على العرض . تحدثت الى بيتر ويستبروك و كيث سمارت و قالوا لي ان علي ان اقتنص اَي فرصة سانحة لي . أبواي قالوا انه سيكون شرف لي ان أبرز
ان امرأة مسلمة تستطيع ان تتتفوق في الرياضة و تمثل بلدها . قبلت العرض و قمت بجولات عديدة في الولايات المتحدة . في احد المرة دعيت الى لندن حيث تعيش جالية مسلمة كبيرة من جنوب شرق اسيا . تدربت على كلمتي لمرات عديدة خلال الرحلة . اول مدرسة زرتها كانت مزرعة سارة بونيل التي تضم عددا
كبيرا من الطلبة المسلمين . كثير من الفتيات كانوا يرتدون حجابا أزرقا فاتحا و ابتسموا لي كثيرا و رديت لهم الابتسامة . تلقيت تعليقات ظريفة كثيرة و لكن اظرفها كان من فتاة فآلت انها لم ترى مبارزا مثلي من قبل و هي الان ستصبح اول رائدة فضاء مسلمة في المملكة المتحدة ! ملأ القلبي الإحساس
ان قصتي قد أعطت أملا لهؤلاء . في عام ٢٠١١ تلقيت جائزة من فصل نيوجرسي للعلاقات الأميركية الاسلامية . كان هناك كثيرا من سوء الفهم حول الاسلام و النساء يواجهن تحدي فريد حيث انهم يعانين من صعوبة في ممارسة الرياضة و مراعاة الحشمة في نفس الوقت حيث النوادي الرياضية مختلطة و الملابس
الرياضية محددة . اثبت للجميع ان بإمكان للمرأة المسلمة ان تُمارس الرياضة و تراعي الحشمة بنفس الوقت . كان هناك أيضا تمثيل سيّء للمسلمين في وسائل الاعلام و اظهارهم انهم ارهابيين و تصاعد الكراهية ضد الاسلام . كان لرحلتي دورا في تغيير سوء الفهم هذا .
اما بالنسبة لنظرة المجتمع الاسلامي لي فكانت احيانا متفاوتة . كان هناك أقلية ممن لم يريدوا لي النجاح و البعض انتقد سفري وحدي و احيانا لباس المبارزة الضيق . و لكن هؤلاء كانوا قلية و كان أبواي يدعماني تماما في ما اريد تحقيقه . هذا الثقل غير من علاقتي مع الله . لم أكن الان اطلب الفوز
في المباريات بل اطلب بان يساعدني بان امثل عائلتي و مجتمعي بشكل جيد و ان يحميني ممن لا يريد لي النجاح و ان يحيطني بمن يشجعني و يحفزني . طلبت من الله أيضا ان يهبني الصبر حيث كان العالم يختبرني . نعم لقد أُختبرت بشكل كبير .
في العودة من احد الرحلات في بلجيكا انا و أمي كنّا نمر من خلال نقطة التفتيش في مطار بروكسل و أوقفني رجل أمن قائلا "عليك ان تخلعي هذا!" مؤشرا الى حجابي . استدرت الى أمي التي كانت خلفي و التي حتما قد رأت الخوف في عيني ! "ما الأمر؟" قالت لي . قلت لها "يريدني ان اخلع الحجاب" !
موظف التفتيش كان رجلا في أواخر الخمسينات من العمر بشعر متساقط و لا أدري ان كان يمر بيوم سيّء و لكنه يكن يبدو سعيدا بي انا و أمي . حاولت أمي ان تستوضح الموقف منه و توضح له اننا نلبس الحجاب لأسباب دينية و زاد حنق موظف التفتيش كأننا قد وجهنا له إهانة شخصية . قال "عليك نزع الحجاب أو
لن تركبين هذه الطائرة !" . أمي قالت له "نحن من الولايات المتحدة و لم يُطلب منا نزع الحجاب قط!" نبرة أمي كانت مملوءة بالتحدي . "إنزعيه او لن تركبي الطائرة !" نظرت حولي لأرى ان كان لاحظ أحد تأزم الموقف الذي نحن فيه . نزع الحجاب سيكون انتهاكا كبيرا لخصوصيتي كطلب نزع ملابس داخلية في
منتصف المطار بالنسبة لي ! أمي قالت له "لم لا تلمس الحجاب بيدك دون ان تنزعه كما يفعلون في الولايات المتحدة ؟". في هذ الأثناء أتت موظفة أمن و سألت عما يجري ! تبادلوا الحديث بصوت منخفض باللغة الفرنسية و بعهدها قامت الموظفة باقتيادي انا و أمي الى غرفة رمادية مغلقة أشبه بغرفة تحقيق !
بدأت أقلق عما سيؤول امرنا اليه الى ان قالت موظفة الأمن "حسنا يا سيدات من الاولى؟" قلت "لأجل ماذا؟" ، "لأجل تفتيش الرأس!" قبل ان اكمل تقدمت أمي و تم التفتيش خلال خمس دقائق و رجعنا الى الولايات المتحدة .فكرت في الامر و كيف انه كان انتهاكا صارخا لحقوقي الدينية و كيف تصرفت أمي بهدوء.
دعوت الله الا تمر امرأة محجبة بنفس التجربة هذه !
في هذه الأثناء استمرت معاناتي الدائمة في العثور على ملابس مناسبة و كنت اتحدث مع أخي "قريب" الذي كان في لوس انجلوس و قال لي "لم لا تصنعي ملابسك بنفسك ؟!"
"لا أعرف الخياطة" قلت له ! "لا يا سخيفة. عليك باستئجار شخص ليخيط لك ملابسك كل مرة لكي لا تضطري البحث عن شيء مناسب للبسه !"
ضحكت كثيرا و ظننت ان قريب كان يمزح . الى ان قال قريب "عليك ان تبدأي شركتك الخاصة لتصميم الملابس . هناك الكثير من النساء المسلمات على نفس القارب . اعرف مصنعا هنا يستطيع مساعدتك !" فتحت فمي بعد ان فكرت مليا و قلت له "و هل ستنجح الفكرة ؟!" ان ابدأ شركة الأزياء الخاصةً بي ؟
قال لي قريب "لن تستطيعي ان تمارسي المبارزة الى الأبد و عليك ان تبحثي ان خطة بديلة لما بعد !" بدأنا العمل انا و أخواتي آسيا و فايزة و بدأت الفكرة تتضح شيئا فشيئا ! فساتين طويلة بأكمام طويلة بنطلونات و تنورات طويلة . كلها يجب ان تكون بسعر معقول للجميع و ليس الأغنياء فقط !
ساعدني قريب في العثور على مصنع في لوس انجلوس بينما اهتمينا انا و اخواتي في البحث عن تصاميم . أردنا ان يكون المتجر إلكترونيا بالكامل لكي يستطيع الجميع الشراء منه . عمتي برنارد ستكون الممول المثالي للمشروع و اقترحت ان نسميه "لويلا" على اسم جدتي ام والدي . توسع عملنا و بدأنا بتحقيق
أرباح منذ السنة الاولى . انا فخورة بأن جميع قطعنا سعرها لا يتعدى ١٠٠ دولار و لعل افضل ما في الامر انه أعاد التوازن الى حياتي و أعطاني شيئا اخر غير المبارزة لكي أفكر فيه .
مع قدوم عام ٢٠١٥ علمت انني الان يجب ان اركز بشكل ١٠٠٪ على التاهل للعب في الألعاب الأولمبية . قطعت نفسي عن كل الملهيات الاخرى و أردت التركيز في المبارزة فقط . تزامن هذا مع حادث قتل فظيع راح ضحيته ٣ طلبة مسلمين في نورث كارولينا على يد جارهم ! في هذا الوقت كانت هناك موجة متصاعدة ضد
الاسلام و المسلمين بسبب ما تعرضه شاشات التلفزيون حول التطرّف و العنف الإرهابي . المسلمون الان بدأ تهميشهم بأرقام قياسية و بدأت اقلق على نفسي و أفكر فيما ان كان اَي شخص آمن في هذا أبلد ؟! فترة المباريات التمهيدية للألعاب الأولمبية تستغرق من أول ابريل ١٠١٥ الى نهاية مارس ٢٠١٦ .
الجراند بري كانت المسابقة الاخيرة قبل المباريات التمهيدية للأولمبياد و قابلت فيها بعض افضل مبارزي العالم مثل ايكتارينا ديشنيكو من روسيا و عزه بسبس من تونس و تأهلت الى قبل النهائي و وجدت نفسي أبارز زميلتي في الفريق ماريل ! الامر يبدو غريبا حينما تضطر ان تلعب ضد زميل لك في الفريق!
ماريل كانت المصنفة الاولى في الولايات المتحدة و كان واضحا انها لا تأخذني على محمل الجد و انني لا أستطيع ان أجاريها ! ربما كان هذا اسلوبها لكي تؤثر فيني و لكنه لم يكن يؤثر فيني ! تنافسنا نقطة بنقطة و بدا عليها الارتباك و العصبية كأنها لم تكن تصدق انني أستطيع مجاراتها ! كانت تطلب
من الحكم مكررا التأكد من النتيجة على اللوحة كما انها لم تكن مصدقة أنني أستطيع ان أكون ندة لها ! وصلنا الى النقطة الاخيرة و كانت النتيجة ١٤-١٤ و حاولت ان تباغتني بهجوم كاذب و تواجعت و بينما كانت تستعد للهجوم مرة اخرى أصبتها في التحضير . نقطة لي و انتهت المباراة ١٥-١٤ !
تأهلت الى النهائي و ضمنت اما الميدالية الذهبية أو الفضية ! رأيت المدرب إيد يتجه الى ماريل بعد المباراة و يقول لها "ماذا فعلتي ؟! كيف سمحتي لها الفوز عليك؟!" . "كانت ضرباتها محظوظة" أجابت ماريل . تركتهم و مضيت و لم أسمح لهم افساد هذه اللحظة علي . اصبحت أهدد فرص ماريل للتأهل الى
الاولمبياد الان و لهذا ساءت معاملة المدرب و باقي الفريق لي منذ هذه اللحظة اكثر فاكثر . مما عقد الأمور الان ان "آخي" لم يكن ملتزما في الحضور لتدريبي و اضطررت مرات عديدة لكي ابحث عن مدربين اخرين عندما لا يكون هو موجودا ! تحدثت مع بيتر حول سوء معاملة الفريق و المدرب لي و كيف ان الشك
يساورني في انني سأحظى بفرصة تمثيل بلدي في الاولمبياد ! بيتر كان رجلا متدينا و كان يقول لي "اذا كان الله يريد لي ذلك ، فعلي ان اقلبه و أؤمن به" كلام بيتر أثر بي و كنت اقول لنفسي ان أراد الله لي النجاح ، لا احد حتى مدرب الفريق نفسه يستطيع تغيير ما قد كتبه الله !
في الدورة اللاحقة في باريس بينما كنت أتمرن سقطت الى الارض و احسست بألم شديد في قدمي . لقد لويت كاحلي بشكل سيّء ! كانت اختي فايزة موجودة و حضر طبيب الفريق . حضر بعض المبارزين من الفرق الاخرى للإطمئنان علي بينما لم بحضر اَي احد من فريقي من اللاعبين او المدربين للاطمئنان علي !
في الصباح التالي كنت أمشي بصعوبة و كانت اختي فايزة تساعدني في المشي و النهوض و كان كاحلي قد تورم الى حجم كرة ! عقد المدرب أيد "اجتماعا طارئا" و وجه الاتهام الي ان تخلفت عن تدريب الصباح دون عذر ! أصبت بالصدمة من اتهامه . قلت له "لقد لويت كاحلي و أنت تعلم "! قال طبيب الفريق له
"نعم لقد لويت كاحلها و ضمدته لها كانت إصابة سيئة" . نظر أيد الي و الى قدمي و ال "و لكن الامر لا يبدو سيئا الان لأنك تستطيعين المشي ! هل ستبارزين غدا؟!" شيء ما في نبرة صوته جعلتني أنهض و أصرخ "أنت تمزح!" "لا احتاج ان تصدقني أنت أنني أصبت فالجميع رآني البارحة و لم أفوت تدريبا
واحدا من قبل ! لن اسمح لك ان تشكك بأخلاقياتي الرياضية و انت لم يكن لديك اللباقة الانسانية ان تسألني ان كنت بخير"! انهمرت دموع الغضب تلقائيا . لم أعد افهم لماذا ينظرون الي بشكل مختلف و كأنني لست انسانة أيضا ؟!
في فبراير ٢٠١٦ كنا في منافسة في اثينا اليونان و كنت سعيدة لان أمي و فايزة كانا قد حضرتا لمؤازرتي و تشجيعي . فايزة كانت أيضا في موقع جيد للتأهل الى الفريق الأولمبي فقد كانت تتأرجح بين المركز الخامس و السادس في التصنيف . كنت نائمة في غرفتي و كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل .
استيقظت على أثر الم فظيع في معدتي . ذهبت الى الحمام و بدأت بعدها نوبة مؤلمة من الإسهال و التقيؤ . كان الم التقيؤ فظيعا الى درجة انني لم أفكر ماذا كنت افعل و اتخذت وضع الجنين من شدة الالم في منتصف الحمام . صرخت أنادي أمي بما تبقى لي من قوة بصوت ضعيف خافت ! دفعت أمي باب الحمام
و دخلت و اتصلت بطبيب الفريق على الفور ! بعد معاينته اتضح انني مصابة بتسمم غدائي و ان هناك اربع فتيات أخريات في الفريق كانوا يعانين من نفس الأعراض تلك الليلة . كلنا قد تناولنا شرائح من السلمون في صالة الدرجة الاولى في مطار بورتلاند قبل الإقلاع ! قال الطبيب ان جسمي يقوم بما هو
مطلوب منه و علي فقط ان اشرب السرائل و تناول "الكراكرز" الى ان يتخلص جسمي من كل هذا الطعام الملوث . في الصباح التالي بينما كانت فايزة تنافس جلست في غرفتي و كنت لا أقوى حتى على الحراك ! لحسن الحظ لم أكن مضطرة الى المبارزة الى اليوم التالي و لكن كان كل جسمي يؤلمني و لم اعرف ان كنت
فعلا أستطيع ذلك . في اليوم التالي أتى طبيب الفريق و أعطاني بعض الأدوية لأعالج صداع رأسي . ذهبت الى صالة المبارزة و رغم إحساسي بالضعف كنت اقول لنفسي (أنت مستعدة ! أنت بطلة !) في أول مبارزة تغلبت على بطلة أولمبياد ٢٠٠٨ الاوكرانية أولغا جوفنير و لاحقا ياكي شاو من الصين و لاحقا
جي يون كيم من كوريا ! لعبت مع ماريل في نصف النهائي و لكن هذه المرة خسرت منها و لكنني احسست بشعور غامر بالسعادة و الفخر انني استطعت ان أتغلب على ضعفي و. استجمع قواي في هذا الوقت الصعب لكي أبارز . أنهيت اليوم على منصة التتويج محرزة الميدالية البرونزية . كنت سعيدة جدا ! أحسست ان
ما قدمته في اثينا كان هبة من الله و ان الله استجاب دعواتي عندما دعوته لكي يحميني و يمنحني القوة ! بعدها ذهبت الى أمي و فايزة في مدرج الجمهور و كانت أمي تبكي من فرط التأثر . كانت تبكي لأنها تعلم أنني كنت مريضة الليلة الماضية و رأت تقلب العواطف في خلال ليلتين . كانت نعمة ان أشارك
أمي و فايزة هذه اللحظة ! التفتت أمي الى ماريل و أمها و هنأتهما أيضا . ماريل و أمهما ردا ببرود شديد. احسست بالغضب من تجاهلهم لأمي و في الفندق أنبت أمي على تهنئتهم رغم سوء معاملة ماريل لي ! "الامر ليس متعلق بهم ! في نهاية اليوم يجب ان اجيب الله" قالت أمي "يجب ان نريهم اننا افضل"!
بعد ان رجعنا الى مابلوود يوما كنت استعد للذهاب الى النادي الرياضي و تلقيت رسالة نصية من أصدقاء تهنئني على التأهل للأولمبياد ! في البداية لم أعر هذه الرسائل اهتماما و لكن هاتفي النقال أصبح يتقلى الرسالة تلو الاخرى ! حتى رأيت اعلان من جوجل " في موقع اللجنة الأولمبية الأميركية !
"المبارزة إقبال محمد تتأهل الى الألعاب الأولمبية كأول رياضية امريكية ترتدي الحجاب "! قد تأهلت الى الاولمبياد . خرجت الى الصالة و انا أصرخ من شدة الفرح و وجدت أبواي و كنت اقفز في كل اتجاه من شدة الفرح و انضم أبواي الي في هذا الاحتفال المجنون ! سأذهب الى الاولمبياد لتمثيل بلدي !
٢ التواء كاحل
١ تمزق مربط الرسغ
٣ شد عضلي عضلة الفخذ الخلفية
٦ شد عضلي في الفخذ
التهاب مربط الكوع الايمن
اصطدام في الكتف الايمن
جفاف شديد
كل هذا كان تكلفة التأهل الى الاولمبياد و جعلني افكر فيما اذا كان الامر يستحق كل هذا العناء !
تأهلي الى الفريق الأولمبي اكسبني شهرة إعلامية كبيرة . البعض قد رأى تصريحاتي الصحفية السابقة "سياسية" أو "دينية" اكثر من اللازم و لم أكن اريد ان أبدو كذلك و ان ينصب الاهتمام على حجابي . لم يتوقف التلفون عن الرن . أردت ان ابين اننا ممكن أن نكون ناس طبيعيين نعيش في المدينة و نعمل و
و نعتني بعوائلنا . في بداية ٢٠١٦ بدأت الانتخابات الامريكية و تعرض المسلمون الى هجوم كبير من مرشح الرئاسة دونالد ترامب . فتح الباب هذا الى العنصريين من الفاشيين و النازيين الجدد في موجة من الاضطهاد و التفرقة موجهة ضد الأقليات العرقية و الدينية . كان مثلي الأعلى هو الملاكم الراحل
محمد علي كلاي ، اكثر المسلمين الأمريكيين تأثيرا في التاريخ ، و اتذكر مرقفه ضد الحرب الامريكية في فيتنام و التزامه بدينه و شجاعته و أردت ان يكون لي مثلا اعلى و ان يحفزني لفعل نفس الشيء . في احد المرات طلبت استضافتي مقدمة البرامج الشهيرة "ألين" و قالت لي انها تريد ان تستضيفني لانها
معجبة بتصميمي و وقوفي ضد جميع الظروف التي واجهتني خلال مسيرتي الى التأهل الى الأولمبياد و جلست أفكر فهذه أشهر مستضيفة بيضاء لبرنامج تلفزيوني تريد ان تقابلني أنا إمرأة أمريكية مسلمة ملونة ترتدي حجابا ! ظهرت في برامج تلفزيونية شهيرة أخرى و التقيت بالسيدة ميشيل اوباما مرات عديدة .
بدأت أتدرب بشكل مرهق و مضني الى درجة انني كنت احس بالتعب الشديد و وبخني مدرب النادي "بكي" عدة مرات و طلب مني العودة الى المنزل و الراحة لأن علي الاستماع الى جسدي . كنت أرد غاضبة "لكن علي التمرين"! و كان يقول لي "الراحة هي بنفس أهمية التمرين و سيشكرك جسمك عليها" ! كنت أتحمل الالم
و اعرف في نفسي ان علي التضحية و انتهاز هذه الفرصة في رحلتي لتحقيق حلمي !
في أولمبياد ريو في البرازيل ٢٠١٦ ارادت عائلتي السفر معي و من اجل هذا أقمنا بعض الحفلات الخيرية لجمع الأموال و دعم هذا ماديا . ارادت عائلتي استئجار شقتين قرب الفرية الأولمبية . الحفلات الخيرية حققت نجاحا باهرا و جمعنا مبلغا جيدا من المال . سكنت في القرية الأولمبية التي كانت عبارة
عن عمارات انشأت لهذا الغرض تحديدا .ريو كانت أشبه بجزيرة استوائية كبيرة و لكن كان هناك قليلا من الوقت لاستكشافها حيث كانت المسابقات الأولمبية قد بدأت بالفعل . في نفس الوقت استمرت حملة ترامب الانتخابية بينما أتى قرار بأن أكون من يتقدم الوفد الرياضي في حفل الافتتاح و احمل العلم
الامريكي ! هذا أدخل السرور علي و قام زملائي في الفريق بتشجيعي على فعل هذا للتأكيد ان بلدي يشجع التعددية و التسامح و هذا ما أردنا ان نظهره للعالم اجمع ! مشيت في المقدمة بكل فخر في حفل الافتتاح و أحسست بفخر عظيم في هذه اللحظة في حياتي !
مع بداية المسابقات الفردية قابلت لاعبة أوكرانية في اول لقاء (اولينا كرافتسكا) و كنت قد بحثت و استطلعت عنها قبل اللقاء و هزمتها بنتيجة ١٥-١٣ . احسست بشعور عظيما و توجهت الى المدرج و اعتنقت أفراد عائلتي و اتذكر اختي فايزة حيث كانت نقول "انت تستطيعين فعل ذلك يا ابتهاج " !
في المقابلة اللاحقة خسرت من الفرنسية سيسيليا بيردر رغم انني كنت قد هزمتها سابقا الا انني خسرت منها و انتهت أحلامي في تحقيق ميدالية في المسابقات الفردية في الاولمبياد . أحسست بخيبة الأمل الشديدة و كأنني خذلت كل من كان يعقد امالا علي . كان لعائلتي و ابي بالخصوص الأثر الكبير في
التخفيف عني . قال لي ابي "انت بذلت قصارى جهدك في عيني أنت كسبت ميدالية ذهبية اليوم " ! بعد المباراة سألني احد الصحفيين حول شعوري كإمرأة مسلمة محجبة تشارك في الاولمبياد . أجبت "أظن عند النظر الى ما يجري مؤخرا في الساحة السياسية في الولايات المتحدة كان من المهم جدا وجود فرد مسلم
ضمن الفريق الأولمبي الامريكي . مشاركتي هنا برهنت ما هي المرأة الامريكية المسلمة و ما يمكنها ان تفعل " . لاحقا حققنا ميدالية برونزية في مسابقة الاولمبياد الجماعية بعد التغلب على الفريق الايطالي و كان شعورا عظيما اعتلاء المنصة و لحظة التتويج .بعد الاولمبياد كنت مرهقة نفسيا و بدنيا
كان أفراد عائلتي يريدون قضاء الوقت في منزل للشاطىء في أوشين سيتي و لكني كنت محتاجة ان اقضي وقتا بمفردي و أخذت أسبوعا كاملا أفكر فيما حدث و خططي و المبارزة . كان هناك مؤتمرات إسلامية شاركت بها و متجري الالكتروني "لويلا" . بدأت بتلقي بعض رسائل التهديد بالقتل من شخص يبدو انه مختل
كان يقول في الرسائل "انني شيء يجب التخلص منه" و في نفس الوقت كانت صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بي مليئة ببعض التعليقات التي تفوح منها رائحة العنصرية و الكراهية . تم التوصل الى هوية الرجل الذي كان يبعث الرسائل و تبين انه شخص محارب قديم في فيريجينيا و و قيل لي انه ليس "خط. حقيقي"
في سبتمبر ٢٠١٦ قامت مدينة مابل وود بالاحتفال بيوم "ابتهاج محمد" حيث حضر جمهور غفير و تم الاحتفاء بي من مسؤولين عديدين . احسست بسعادة غامرة أنني استطعت أن أحدث فرقا و تأثيرا في حياة كثير من الناس . الله كان قد وضع لي خطة و أودّ أن أكمل الرحلة كلها لأرى الى أين تأخذني !

انـتـهى
Missing some Tweet in this thread?
You can try to force a refresh.

Like this thread? Get email updates or save it to PDF!

Subscribe to Raed Behbehani |رائــد بـهـبـهـاني
Profile picture

Get real-time email alerts when new unrolls are available from this author!

This content may be removed anytime!

Twitter may remove this content at anytime, convert it as a PDF, save and print for later use!

Try unrolling a thread yourself!

how to unroll video

1) Follow Thread Reader App on Twitter so you can easily mention us!

2) Go to a Twitter thread (series of Tweets by the same owner) and mention us with a keyword "unroll" @threadreaderapp unroll

You can practice here first or read more on our help page!

Did Thread Reader help you today?

Support us! We are indie developers!


This site is made by just three indie developers on a laptop doing marketing, support and development! Read more about the story.

Become a Premium Member and get exclusive features!

Premium member ($3.00/month or $30.00/year)

Too expensive? Make a small donation by buying us coffee ($5) or help with server cost ($10)

Donate via Paypal Become our Patreon

Thank you for your support!