سياسة تقدَّم خطوتين لتتراجع خطوة..

كان مبارك الكنز الاستراتيجي لإسرائيل، كما وصفه إسرائيليون، وكان يسمح لإعلامه ومشايخه ومنافقيه أن يهاجموا إسرائيل هجوما شرسا لاذعا! وكان من أشهر ألسنة مبارك أحمد عمر هاشم الذي كان رئيسا لجامعة الأزهر دهرا من الزمن، وكان عضوا معينا بالبرلمان،
فإذا حان وقت التجديد لمبارك أو التمديد لقانون الطوارئ رأيت أحمد عمر هاشم يسل لسانه الفصيح في تأييد مبارك وتمديد الطوارئ.

وأما الملك حسين، ملك الأردن، فرغم كل ما كان معروفا عن عائلته، ورغم كل ما عُرِف عنه فيما بعد، إلا أنه كان مثالا لنموذج الملك العربي، ولقد قام بدور خطير جدا
أيام حرب الخليج الثانية حين كادت تنفلت الطاقة الفلسطينية والأردنية ضد إسرائيل، فأدى تمثيلية خطيرة تصنع بها أنه مع العراق فاستطاع اعتقال الطاقة الشعبية أن تنفلت منه، ثم نكص على عقبيه بمجرد أن بدأ الهجوم الأمريكي على العراق.. ثم من ذا ينسى موقفه "الشهم" بعد محاولة اغتيال خالد مشعل
وهي التي أخرجت الشيخ أحمد ياسين من الاعتقال الإسرائيلي!

لماذا أتذكر هذا الآن..

أتذكره الآن لأنني أتذكر جيدا تلك الأيام ومخدراتها، حين كان الحاكم يحرك لنا بعض عرائسه لتقول لنا ما نحب أن نسمع، فنتصور أن هذا النظام وطني مخلص، أو على الأقل أن النظام يحتوي في أركانه وطنيين مخلصين..
ولقد سمعتُ بنفسي ممن سُجِن في سجون مبارك والقذافي، وممن حقق معهم عمر سليمان والسنوسي، أنه قيل لهم: الفارق بيننا وبينكم -أيها الإسلاميون- هو فارق توقيت وتدبير.. أنهم متعجلون متهورون وتوشكون أن تهدموا كل ما نفعل، فأنتم تضطرونا إلى اعتقالكم وتعذيبكم وتصفيتكم.. لأننا نعمل على بناء
الدولة ونعمل على امتلاك السلاح فنحن مضطرون لأن نداري ونناور أمريكا وإسرائيل، ونحن لا نقل عنكم إيمانا ولا وطنية ولا تشوقا لتحرير الأقصى!

وإذا كان هذا الكلام قيل في أروقة الأجهزة المصرية والأردنية.. فكيف بما كان يقال في أروقة الأجهزة السورية والعراقية التي كان خطابها المعلن ضد
الصهيونية؟!!

وسمعتُ ممن لا أحصيهم أن هذا الكلام في لحظات ما كان يربك بعض الناس بل وبعض القيادات.. إنها تلك الرغبة الدفينة التي يتمناها كل امرئ في نفسه.. من فينا لا يتمنى أن يكون حكامنا وطنيون مخلصون يخوضون المناورة الكبرى، وأن كل ما نراه من العتاد والسلاح والجنود إنما يُعدُّ
ليكون في يوم ما جيش التحرير؟!!

نعم، إنها تلك الرغبة الدفينة.. الرغبة التي يسمونها: التفكير بالتمني.. التفكير الرغبوي.. التفكير بالتشهي.. اتباع الهوى.. تلك الرغبة هي المخدرات التي كانت تعمل عليها الأنظمة..

ولئن كان الفرزدق قديما قال كلمته الشهيرة: قلوبهم معك وسيوفهم عليك.. فإن
هذه الأنظمة كانت سيوفها وقلوبها مع العدو علينا.. ولكن بعض الكلام المعسول حين ينطق به القوي الغالب يحمل الضعيف المقهور على أن يرغب في تصديقه.

بعد هذه السنين من التجربة.. بعد هذه السنين من المشاهد والوثائق والتسريبات.. بعد هذه السنين من التصريحات والإجراءات والخطوات العملية على
الأرض.. بعد هذه السنين من المذابح والحوادث التي كنا نحن ضحاياها -ولم نقرأها في كتاب ولم نشاهدها في فيلم- .. بعد هذه السنين من كل هذا يجب علينا أن نرفض المخدرات ونركل الأوهام ونحارب من يعيد علينا المسلسل..

ليس لأنه مسلسل نعرف نهايته فحسب، بل لأنه المسلسل الذي كنا نحن ضحاياه..
لا بأس أن أرى من يمتدحون خطبة أحمد عمر هاشم في الأزهر.. ولا بأس أن أرى من يدعمون شيخ الأزهر أحمد الطيب في كلمة حق يقولها في موقف ما.. ولكن البأس كل البأس أن يتلبس علينا شأن هؤلاء فنظن أنهم ليسوا رجال النظام وأدواته!

البأس كله أن أن ننتظر من هؤلاء خيرا أو نعوّل عليهم أو نرجو منهم
في قابل الأيام شيئا!!

لقد سار السيسي شوطا بعيدا ما كان يستطيع أن يفعله مبارك نفسه.. وكان كالراقصة في كل حفل تطبيع، يسارع إلى التهنئة بدخول ضيف جديد إلى الحفلة، فحين يتراجع السيسي خطوة واحدة ويسمح ببعض كلمات الإدانة المباركية وبعض الخطب الساخنة فلا يعني هذا بأي حال أن موقعه تغير
أو أن ضميره استيقظ أو أن نظامه يعيد حساباته!

إنها ببساطة خطوة واحدة إلى الخلف، بعد الخطوات الواسعة إلى الأمام.. والمؤكد أنها خطوة واحدة إلى الخلف لاستيعاب الموقف لتحقيق سرعة الانطلاق إلى الأمام مرة أخرى.

ما أكثر المواقف التي لبس فيها الطاغية ثوب الدين، وأنزل نفسه منزل الذلة من
العلماء، واتخذ من المواقف ما كان حلما بعيد المنال.. وما غرضه في هذا كله إلا الباطل والطغيان والجريمة!

حافظ الأسد انخلع من دينه وأعلن اعتناقه الإسلام لكي يحكم سوريا، وصدام تصنع التدين وتخاضع للعلماء لكي يجتاح الكويت، والنميري اضطرب عليه البلد فأعلن تطبيق الشريعة كي يسنده
الإسلاميون.. وما بالنا نذهب بعيدا ونتذكر التاريخ.. ماذا كان يفعل السيسي نفسه كي يتمكن من رقبة مرسي؟!!!!

ألا فك الله أسر البصير الذي قال عنه يوما: ممثل عاطفي!!!

• • •

Missing some Tweet in this thread? You can try to force a refresh
 

Keep Current with محمد إلهامي

محمد إلهامي Profile picture

Stay in touch and get notified when new unrolls are available from this author!

Read all threads

This Thread may be Removed Anytime!

PDF

Twitter may remove this content at anytime! Save it as PDF for later use!

Try unrolling a thread yourself!

how to unroll video
  1. Follow @ThreadReaderApp to mention us!

  2. From a Twitter thread mention us with a keyword "unroll"
@threadreaderapp unroll

Practice here first or read more on our help page!

More from @melhamy

10 May
إذا أردت أن تسمع كلاما مفيدا في شأن القدس والأقصى فسأخبرك بهذه الخلاصة:

كل الطرق المتاحة لتحرير الأقصى غير قانونية ولا شرعية بمفهوم القوانين المحلية والقانون الدولي والنظام العالمي!

وكل الطرق المتاحة قانونيا ودوليا هي طرق بلهاء سفيهة تافهة لن توصلك إلى التحرير ولو بعد ألف سنة!
فإذا كنتَ صادقا في الرغبة لتحريره، فاعلم أنك ستكون خارج القانون، ضد النظام، ربما تتحول إلى سجين أو مطارد أو مطلوب للسلطات في بلدك أو للانتربول الدولي!

واعلم أن مفاتيح تحرير الأقصى في القاهرة ودمشق وعمان ورام الله والرياض وأبو ظبي، والمعركة في هذه العواصم أشد شراسة وعنفا وجحيما
لسبب بسيط: أن العملاء الذين يحكمون هذه العواصم يُضَيِّعون وضوح الصورة، ويستعملون أموال الأمة ومواردها وأبناءها وعلماءها في تشويه الحقيقة وتغييب الجمهور، وفي حرب كل من يعمل على تحرير الأقصى باعتبارهم خطرا على الأوطان واستقرارها.
Read 7 tweets
23 Apr
يبدو أن ردة الفعل كانت عاتية على السويدان، حتى اضطر للانحناء أمام العاصفة، وكتب منشورا استعمل فيه مهاراته في التلوّن، وتلك عادته!! بل لقد أخرج من جعبته كتابا كتبه في السبعينات، يوم كان يكاد يكون سلفيّا قُحا، حتى إن زملاءه في الدراسة بأمريكا يروون عنه عجائب لا يصدقها من يعرفه الآن
بعيدا الآن عن السويدان نفسه..

وبعيدا كذلك عن أن مشكلة السويدان لم تكن منشوريْه اللذيْن كتبهما في الأيام الماضية، إذ سيرته في السنوات العشرين السابقة على الأقل طافحة بالمشكلات والتصورات..

بعيدا عن هذا كله، سأحاول أن أخبرك بأمرٍ ينفعك في تقييم حال المنتسبين إلى العلم والدعوة..
إن بعض الناس تخرج من درسه أو كتابه وقد امتلأت نفسك بهمّ الإسلام، وازددت به إيمانا، وزاد في قلبك بغض الكفر والظلم والجاهلية، وربما بعث فيك الحماسة للعمل في سبيل الدين.

ولكن بعض الناس تخرج من درسه أو كتابه، وقد امتلأت نفسك ببغض التشدد والمتشددين، وشعرت بهمّ إيجاد تفسير جديد
Read 18 tweets
3 Apr
لماذا لن يحتفي السيسي بفتح مصر أو بالمخطوطات الإسلامية أو بآثار المماليك؟.. لماذا الاحتفال حصرا بالآثار الفرعونية؟!
هذا مقتطف من مقال قديم:
"في نظريته الشهيرة "الجماعات المتخيلة" يتحدث عالم الاجتماع الشهير بندكت أندرسون عن أن هذه الهويات التي تشكلت في العالم الحديث ليست سوى هويات
"مُتَخَيَّلة"، ذلك أنها غير مستمدة من أي حقيقة طبيعية كالدين واللغة والعرق، وإنما هي مصنوعة بأدوات السلطة، والمختصر الموجز لنظريته يفيد بأن السلطة التي امتلكت وسائل مثل الإعلام والجهاز الإداري تمكنت بهذا من أن تصنع هوية للذين تحكمهم، فهي قد صنعت الحدود التي تفصل بين الناس فيكون
من بداخل هذه الحدود مواطنا ورعية لها، تقدم له خطابا إعلاميا يُرَسِّخ هذه الهوية عبر وسيلة الإعلام (منذ الطباعة وحتى التليفزيون) وعبر الإحصاء وعبر المتحف.
ما يهمنا في سياقنا الآن: الإعلام والمتحف، وسنبدأ بالمتحف لأنه الوسيلة التي تعاملت حصرا مع التاريخ، ومن هنا فلقد كان المتحف هو
Read 17 tweets
3 Apr
أيهما أجمل..

صورة ميدان التحرير بالأمس، وقد أخذ زخرفه وزينته استعدادا لموكب نقل المومياوات؟!

أم ميدان التحرير نفسه وهو ممتلئ بشباب الثورة، وقد علاهم الغبار وغرقوا في عرقهم وتلطخوا بجراحاتهم؟!

الصورة الأولى تُخْبِر عن سلطة قاهرة مُتَمَكِّنة ذات مال وسطوة ونفوذ وزينة وزخارف،
ولا تخبر عما خلفها من شعب مقهور مطحون مسحوق يعاني من الفقر والجوع والمرض والظلم.

والصورة الثانية تدلّ على شعب يثور، يكافح ليظفر بالتحرر، يشعر في هذا الميدان بالأمن وبالأمل، مع أنه ميدانٌ مُعَفَّر مُغَبَّر تنتشر فيه روائح حريق بعض المركبات وتتناثر على جانبيه الحجارة المُكَسَّرة!!
لا أشك أن هاتين الصورتيْن مثالٌ جديدة سأستخدمه في بيان المعنى الذي طالما احتجت إلى كتابته وشرحه..

المعنى الذي يقول إن العصر الذهبي لأمتنا الإسلامية هو عصر الخلافة الراشدة.. لا هو عصر الأمويين ولا العباسيين ولا العثمانيين!
Read 13 tweets
13 Dec 20
من أولئك النادرين الذين لم أستطع الكتابة في لحظة وفاتهم، المهندس أيمن عبد الغنى رحمه الله!

تقتصر علاقتي به على أربعة مواقف أو خمسة لا غير، إلا أنها جميعا مواقف مؤثرة.. وتأمَّل في حال رجل تعامله خمس مرات فحسب، فيترك في نفسك خمسة قصص لا تنساها!!
كان واسع الصدر، سمحا هينا لينا، باسما رفيقا ألوفا، قد آتاه الله بسطة في الجسم ومع ذلك فهو من آيات الرقة، كما آتاه بسطة في المال ومع ذلك هو من آيات التواضع!!

بوفاته فقدت جماعة الإخوان أحد ألمع وجوهها، وأوسع أبوابها، وأيسر مداخلها.. ومثله ممن يُقال فيه:
وما كان قيسٌ هُلْكه هُلْكَ واحد .. ولكنه بنيان قوم تهدَّما

إن بعضا من إخوانه كان لا يلقي عليّ السلام إذا التقيْنا، بل لا يردّ السلام إذا ألقيتُه عليه.. أما هو، فكان يبادر بالسلام البشوش وإن لم أكن منتبها..
Read 7 tweets
12 Dec 20
مشكلة "حزب العدالة والتنمية" المغربي، هي فرع عن مشكلة الحركات الإسلامية التي تصوَّرت أنه يمكنها أن تنفذ مشروعها من خلال وسيلة الديمقراطية المتدرجة الإصلاحية!

إن وسيلة التغيير الحقيقي الفعلي في سياسات نظام الحكم لا تجري عبر الديمقراطية. فالديمقراطية هي وسيلة تبادل الأدوار
بين المختلفين جزئيا ضمن الاتفاق العام في المسائل والتوجهات الكبرى، كالهوية وما يتفرع عنها من السياسات العامة.

لا نستطيع أن نتذكر تجربة ديمقراطية نقلت بلدا ما من شيوعية إلى رأسمالية، أو العكس.. في الواقع مسائل الهوية تُحسم بعد الحروب والنزاعات والثورات.
وبينما قامت الحركات الإسلامية أساسا لتغيير الواقع الذي فرضه الاستعمار ثم وكلاؤه من بعده، فإن هزيمة الحركة الإسلامية وما نزل بها من المجازر، جعل طائفة منها تفكر في تجنب الصدام، وتتخذ ذلك مبدأ لا حيدة عنه!

كان يمكن لهذا أن ينجح لو تحقق شرط واحد،
Read 18 tweets

Did Thread Reader help you today?

Support us! We are indie developers!


This site is made by just two indie developers on a laptop doing marketing, support and development! Read more about the story.

Become a Premium Member ($3/month or $30/year) and get exclusive features!

Become Premium

Too expensive? Make a small donation by buying us coffee ($5) or help with server cost ($10)

Donate via Paypal Become our Patreon

Thank you for your support!

Follow Us on Twitter!

:(